عرض مشاركة واحدة
قديم 01-05-2010, 04:24 PM   #2
بداح فهد السبيعي
(*( مشرف )*)


الصورة الرمزية بداح فهد السبيعي
بداح فهد السبيعي غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1871
 تاريخ التسجيل :  Aug 2008
 العمر : 43
 أخر زيارة : 26-05-2017 (10:32 PM)
 المشاركات : 2,187 [ + ]
 الإقامة : رماح
 زيارات الملف الشخصي : 36585
 الدولهـ
Saudi Arabia
لوني المفضل : Blueviolet



قلت: وهناك مثل شعبي آخر مماثل لهذا المثل ومطابق له في المعنى يقول (انقل جبل ولا تنقل طبع) ويضرب كذلك للتأكيد على صعوبة تغيير الطباع. وتقول العامة أيضاً (الطبع غلاب), قال على المفضي:

غلط لكن وش الحيلة, طبيعة والطبع غلاب

نتوب وننقض التوبة, ونور الحق يتبعنا

وتكلف الصفات الجميلة, وتقمّص الأخلاق النبيلة, أمر لا يُقرّه الطبع, ولا ترتضيه السجية, ومهما نجح المتكلف في تكلفه فإن التكرار يفضحه, والأصل يكشفه, قال الشاعر:

وللنفس أخلاق تدل على الفتى

أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا

والسخاء طبع, والتساخي تطبع, والعرب تقول (الطبع يغلب التطبع).

وفي الأدب العربي قصة طريفة تدور في هذا السياق, فقد ذكروا أن عجوزاً أو رجلاً ربّت جرو ذئب, وأرضعته من شاتها, فلما شب عن الطوق صال على الشاة وافترسها, وكانت العجوز تظن أنها قد روضت طبيعته, وعدلت طباعه, وأنه أصبح ابن الشاة بالرضاعة! وهكذا تكون النتائج حين تُتجاهل الحقائق.. ولذلك حين اطلعت على الحقيقة قالت موجوعة:

أكلت شويهتي وفجعت قلبي

وأنت لشاتنا ولد ربيب

غُذِيت بدرّها ورَبِيت فينا

فمن أنباك أن أباك ذيب!

إذا كان الطباع طباع سوء

فلا أدب يفيد ولا أديب

ومعنى البيت الأخير هنا هو الحقيقة التي اكتشفتها العجوز بعد فوات الأوان, وهو أساس الحديث الذي نسطر هنا فيه هذه الحروف.

ولعل من المفيد هنا أن نختم بقضية أخرى أدبية متعلقة بهذا البيت, وهي تناقل المعاني وتداولها بين الشعراء, وهو ما أدرجه القدماء من نقاد العرب تحت اسم (السرقات الشعرية), وما يسميه نقاد اليوم (التناص), ويسميه بعض الظرفاء (التلاص).. فبيت لويحان في الحنظلة ما هو إلا إعادة صياغة لقول محمد العبدالله القاضي:

العوشزة لو هي

على النيل ما أثمرت

إلا بقوّ الشوك والغصن غريافي

وقد كتب الأستاذ صالح المرزوقي في صفر الماضي في هذه الصفحة موضوعا ممتعا في مسألة التشابه في المعاني والألفاظ في القصائد وكذلك التشابه في الأبيات في الشعر النبطي, سماه (التشابه في القصائد لبعض الشعراء.. هل هو توارد خواطر أم اقتباس؟), وذكر فيه تشابه بيت لويحان هذا وبيت القاضي.

قلت: والتشابه بين البيتين واضح جلي, وتأثر الأول بالثاني لا جدال فيه, وإن كان لويحان يتحدث عن الحنظلة ومرارتها, والقاضي يتحدث عن العوشزة وشوكها, لكن المعنى واحد وهو أن الأشياء تعود إلى طبيعتها وأصلها. وما يرجح هذا التأثر أن لويحان قال قبل بيت الحنظلة:

والطبع ما ينزال غيره بتبديل

مثل الجدي ممساه ليله نهاره

وأن القاضي كما مر قبل قليل قال في نفس القصيدة التي جاء فيها ذكر العوشزة:

ترى الطبع عضو ما يزول ولو نزل

زحل منزل المريخ ما افترّ باعسافي

والمعنى كما يتضح متطابق, والصورة هي هي أيضا, فلويحان ذكر الجدي, والقاضي ذكر زحل والمريخ.والسؤال الذي يتبادر بعد كل هذا هو: هل هذا توارد خواطر كما تساءل المرزوقي؟ أم إغارة على المعنى كما يقرر النقاد؟

الذي أراه أن لويحان نقل معنى القاضي, خصوصا أن قصيدة القاضي التي ورد فيها البيتان, شهيرة ذائعة الصيت, رددها ولا يزال يرددها الشعراء ومحبو الشعر الأصيل, وعارضها الكثيرون. لكن النقل هنا حسب رأيي ليس من النقل المرذول, بل من النقل المحمود, وهذا يكون حسب ما قرره الأولون عندما يكون بيت الناقل أخف وألطف من البيت المنقول معناه, والحق أن بيت الحنظلة أخف من بيت العوشزة وأجمل وألطف وأسلس, ولذلك حفظه المتأخرون ونسوا بيت القاضي. والقصة هنا تشبه قصة بشار مع تلميذه سلم الخاسر.. فقد قال بشار:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته

وفاز بالطيبات الفاتك اللهج

فقال سلم:

من راقب الناس مات غمًّا

وفاز باللذة الجسور

فغضب بشار لأنه أدرك أن بيت تلميذه سيميت بيته بخفة لفظه, وسلاسة أسلوبه. وأظن أنه لولا هذه القصة ما عرف كثير من الناس قديما وحديثا سلْم الخاسر, الذي لقب بهذا اللقب لأنه باع مصحفاً ليشتري بثمنه ديوان امرئ القيس!

عبدالعزيز القاضي


 
 توقيع : بداح فهد السبيعي


أكذب عليك إن قلت لك: ما نيب مشتاق=عزالله إن الشوق كفى ووفى
غلاك ثابت داخل أعماق الأعماق=هوهو .. لين آموت والا آتوفى
أسلوب وإحساس وسواليف وأخلاق=ومشاعرٍ كنّي عليها آتدفى..!

خالد الحصين





رد مع اقتباس