![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
![]() |
|
|
![]() |
![]() |
|
|||||||||
|
||||||||||||
|
|
|
|
|
|||||||||
| ..: المرقاب للأدبِ والثّقَافَةِ :.. الشعر الحر - النقد البنّاء - دراسات أدبيّة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | ابحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||||||
|
||||||||
|
لو حضر المتنبي في شاطىء الراحه!!
((نشأته وحياتة))
المتنبي هو أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الملقَّب بأبي الطيّب ووالده الحسين يُعرف بعبدان السقاء. وكان مولد المتنبي بالكوفة في محلة يقال لها كِندة سنة ثلاثٍ وثلاث مئة هجرية. ثم صحب الأعراب في البادية وجاء بعد سنتين بدويًا قحًا. وكان محبًا للعلم والعلماء ذا قوةٍ حافظة فقد رأى يومًا رجلاً يعرض كتابًا بستين صفحة فأخذه منه ونظر فيه طويلاً وأعاده لصاحبه وأقبل يتلوه حتى آخره. وإنما لُقّب بالمتنبي لأنه ادَّعى النبوَّة في بادية السماوة وهي أرضٌ بحيال الكوفة مما يلي الشام. وهذا بعض كلامه الذي كان يزعم أنه قرآن أُنزل عليه: "والنجم السيَّار والفلك الدوَّار والليل والنهار إنَّ الكافر لفي أخطار. امضِ عَلَى سننَك واقف أَثرَ مَن كان قبلك من المرسلين فإن الله قامعٌ بكَ زيغَ مَن ألحدَ في الدين وضلَّ عن السبيل". ولما فشا أمره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيد فاعتقله وجعل في رجله وعنقه قرمتين من خشب الصفصاف. فكتب إليه المتنبي من السجن يستعطفه بالقصيدة التي مطلعها: أيا خدَّد الله وردَ الخدود وقدَّ قدود الحسان القدود فعفى عنه وأطلقه. ولم يزل بعد خروجه من الاعتقال في خمول وضعف حال حتى اتصل بأبي العشائر الحسن بن الحسين بن حمدان العدوي وكان بأنطاكية فمدحه بعدَّة قصائد. ولما قدم الأمير سيف الدولة أبو الحسن عليَّ بن عبد الله بن حمدان العدَوي إلى أنطاكية قدَّم أبو العشائر المتنبي إليه وأثنى عنده عليه وعرَّفه منزلته من الشعر والآداب. كان سيف الدولة ملكًا عَلَى حلب انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابي سنة 333 وكان أديبًا شاعرًا مجيدًا شديد الاهتزاز لجيّد الشعر. قيل لم يجتمع بباب أحد الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من الشعراء وله معهم أخبار كثيرة. وكانت ولادته سنة 303 وهي سنة ولادة المتنبي، ووفاته سنة 356 بعد مقتل المتنبي بسنتين. فاشترط المتنبي عَلَى سيف الدولة أول اتصاله به أنه إذا أنشد مديحه لا ينشده إلا وهو قاعدٌ وأنه لا يكلَّف بتقبيل الأرض بين يديه. وكان ذلك سنة 337، وصحب سيف الدولة في غزواته وامتدحه وحسن موقعه عنده فقرَّبه إليه وأحبه وأجازه الجوائز السنيَّة وسلمَّه إلى الروَّاض فعلموه الفروسية والطراد والمشافقة. قال عبد المحسن بن لوجك عن أبيه: كنت بحضرة سيف الدولة وأبي الطيب اللغوي وأبي الطيب المتنبي وأبي عبد الله بن خالويه النحوي وقد جرت مسئلة في اللغة تناقش فيها ابن خالويه وأبو الطيب اللغوي فأضعف المتنبي قول ابن خالويه فأخرج من كمه مفتاحًا لكم به المتنبي فقال هذا: اسكت ويحك فإنك أعجمي وأصلك خوزي فمالك وللعربية فضرب وجه المتنبي بالمفتاح فأسال دمه عَلَى وجهه وثيابه. وغضب المتنبي إذ لم ينتصر له سيف الدولة لا قولاً ولا فعلاً وكان سبب فراقه سيف الدولة سنة 346. قال الدهان في المآخذ النكدية من المعاني الطائية إن أبا فراس الحمداني قال يومئذٍ لسيف الدولة إن هذا المتشدّق كثير الإدلال عليك وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينار فلو فرَّقت مائتي دينار عَلَى عشرين شاعرًا لأتوك بأحسن من شعره. فتأثر سيف الدولة بكلام أبي فراس وعمل به. وكان المتنبي غائبًا وبلغته القصة فدخل عَلَى سيف الدولة وقال القصيدة التي مطلعها: واحرّ قلباه ممن قلبه شبم ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ حكى عليّ بن حمزة البصروي قال: بلوتُ من أبي الطيب ثلاث خلال محمودة وتلك أنه ما كذب ولا زنى ولا لاط. وبلوت منه ثلاث خلال ذميمة وتلك أنه ما صام ولا صلى ولا قرأ القرآن. وقال ابن فورجة : كان المتنبي رجلاً داهية مرّ النفس شجاعًا حافظًا للآداب عارفًا بأخلاق الملوك ولم يكن فيه ما يشينه ويسقطه إلا بخله وشرهه علَى المال. وأحسن قصائد أبي الطيب هي التي في سيف الدولة. وتراجع شعره بعد مفارقته وسئل عن ذلك فقال: قد تجوَّزت في قولي وأعفيت طبي واغتنمت الراحة منذ فارقت آل حمدان. قال أبو عثمان بن جني: كنتُ قرأتُ ديوان المتنبي عليه فلما وصلتُ إلى قوله في مدح كافور : أُغالبُ فيك الشوقَ والشوقُ أغلب وأعجبُ من ذا الهجر والوصلُ أعجبُ قلت له يعزُّ عليَّ كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة. فقال حذرناه وأنذرناه وما نفع فيه الإنذار، ألست القائل فيه: أخا الجود أعط الناس ما أنت مالكٌ: فهو الذي أعطاني إلى كافور بسوء تدبيره وقلة تمييزه. ولما عزم أبو الطيب عَلَى الرحيل من حلب أتى دمشق وكان فيها يهودي من أهل تدمر يُعرف بابن ملك من قِبل كافور الإخشيدي ملك مصر فالتمس من المتنبي أن يمدحه فثقل عليه فغضب ابن ملك. وطلب كافور المتنبي من ابن ملك فكتب هذا إليه أَن أبا الطيب قال: لم أقصد العبد وإن دخلتُ مصر فما قصدي إلا ابن سِيده. وضاقت دمشق بالمتنبي فصار إلى الرملة فحمل إليه أميرها ابن طغج هدايا نفيسة وخلع عليه وحمله عَلَى فرسٍ بموكب كبير وقلده سيفًا محلَّى. وكان كافور يقول لأصحابه أترونه يبلغ الرملة ولا يأتينا. ثم كتب يطلبه من الحسين أمير الرملة فسيَّره إليه. فلما قدم أبو الطيّب أمر له كافور بمنزل ووكل به جماعة وأكرم وفادته وخلع عليه وطالبه بمدحه. فقال المتنبي قصيدته المشهورة التي استهلالها: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسبُ المنايا أن يكنَّ أمانيا المتنبي - رحلته إلى مصر بدعوة كافور كان كافور عبدًا أسود خصيًا مثقوب الشفة السفلى بطينًا قبيح القدمين. وكان لقومٍ من أهل مصر يُعرفون ببني العباس يستخدمونه في حوائج السوق. وكان مولاه يربط في رأسه حبلاً إذا أراد النوم فإذا أراد منه حاجة يجذبه بالحبل لأنه لم يكن ينتبه بالصياح. وكان غلمان ابن طغج يصفعونه في الأسواق كلما رأوه فيضحك فقالوا: إن هذا الأسود خفيف الروح. وكلّم أبو بكر محمد بن طغج صاحبه في بيعه فوهبه له فأقامه عَلَى وظيفة الخدمة. ولما توفي سيده أبو بكر كان له ولدٌ صغير فتقيَّد الأسود بخدمته وأخذت البيعة لولده فتفرَّد الأسود بخدمته وخدمة أُمه فقرَّبَ من شاءَ ثم ملك الأمر على ابن سيده وأمر أن لا يكلمه أحدٌ من مماليك أبيه ومن كلمه أَوقع به. فلما كبر ابن سيده وتبيَّن ما هو فيه جعل يبوح بما في نفسه في بعض الأوقات عَلَى الشراب ففزع الأسود منه وسقاه سمًا فمات وخلَت مصر له. وحكم مصر ثلاثا وعشرين سنة. فكان المتنبي يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفَّان وفي وسطه سيفٌ ومنطقة. وسأله يومًا أن يوليه صيدا من بلاد الشام أو غيرها من بلاد الصعيد فقال له كافور : "أنت في حال الفقر وسوء الحال وعدم المعين سمت نفسك إلى النبوة فإن أصبت ولايةً وصار لك أتباعٌ فمن يطيقك؟". ثم وقعت الوحشة بينهما ووضع كافور العيون والأرصاد مخافة أن يهرب وأحسَّ المتنبي بالشرّ واعتزم الرحيل فخرج ودفن الرماح في الرمال وحمل الماء على الجمال لعشر ليالٍ وتزوَّد لعشرين. وقال في يوم عرَفة سنة 350 قبل رحيله من مصر بيوم قصيدته المأثورة: عيد بأية حالٍ عدتَ يا عيد _________________________ بما مضى أم لأَمرٍ فيك تجديدُ _________________________ وفي العيد سار أبو الطيب من مصر هاربًا وأخفى طريقه فلم يوجد له أثر حتى دخل الكوفة في شهر ربيع الأول سنة 351 ونظم مقصورته التي أولها: ألا كلُّ ماشيةِ الخيزلى _________________________ فدى كلّ ماشية الهيذبى _________________________ وصف بها مسيره عن مصر وذكر المنازل التي قطعها. ثم توجَّه إلى بغداد . المتنبي في بغداد قال أبو عليّ الحاتمي: كان أبو الطيّب عند وروده مدينة السلام قد التحف برداء الكبر والعظمة يخيل له أنَّ العلم مقصورٌ عليه وأنَّ الشعر لا يغترف عذبه غيره. وثقلت وطأته عَلَى أهل الأدب وطأطأ كثيرٌ منهم له رأسه وخفض له جناحه. وساء معز الدولة أن يرد على حضرته رجلٌ لم يكن بمملكته أحد يماثله فيما هو فيه فيبدي لهم عواره ويهتك آثاره. فتوخيت أن يجمعنا مجلس يجري كلامنا في مضمار ليعرف السابق من المسبوق. فلما لم يتفق ذلك قصدتُ مجلسه فوافق مسيري إليه حضور جماعة يقرءون عليه فحين استأذن لي نهض من مجلسه لمخدعٍ وخرج إليَّ يكلمني فقلت يا هذا يختلج في صدري أشياء من شعرك أُريد أن أسأل عنها وأُراجعك فيها. قال وما هي. قلت أخبرني عن قولك: إذا كان بعض الناس سيفًا لدولةٍ ففي الناس بوقات لها وطبولُ وقولك : في فيلقٍ من حديدٍ لو قذفت بهِ صرف الزمان لما دارت دوائره فهو من قول الناجم. أما قولك: الناس ما لم يروك أشباهُ والدهر لفظٌ وأنتَ معناهُ فهو من قول منصور بن بسَّام. فقال أين أنتَ من قولي: كأنَّ الهام في الهيجا عيـون وقد طبعت سيوفك من رقـادِ وقد صغت الأسنَّة من همومٍ فما يخطرنَ إلاَّ في فـــؤادِ أما يكفيك إحساني في هذه؟ قلتُ ما أعرف لك إحسانًا في جميع ما ذكرت وإنما أنت سارق متبع وآخذ مقصر. فأما قولك: كأنَّ الهام... فمنقولٌ من قول النميري منصور. وأما قولك: في فيلق... فمنقول من قول الناجم وأبي تمام ومنصور بن بسَّام وأبي نواس والنابغة الذين أخذوا من عبد الله بن داره ومن غيره. فقال أبو الطيّب ألستُ القائل: ذي المعالي فليعلونْ مَن تعالى هكذا هكذا وإلاَّ فلا لا شرفٌ ينطح النجوم بروقيــه وعزٌ يقلقلُ الأجبــالا قلت أخذتَ البيت الأول من بكر بن النطاح والثاني من أبي تمام وأفسدته إذ جعلت لشرف الرجل قرنًا. قال هي استعارة. قلت استعارة خبيثة. فبهره ما أوردته وأمسك عبارته. وكنتُ بلغت شيئًا كان في صدري وعلمتُ أن الزيادة على الحدّ الذي انتهيتُ إليه ضربٌ من الأسر والبغي ورأيت له حق التقدُّم في صناعته فطأطأت له كتفي ونهضت فنهض لي مشيعًا إلى باب الدار وتأكدت بيني وبينه الصحبة وصرتُ أتردد إليه أحيانًا. وكان المتنبي يتجاهل من شعر أبي تمام لكنه قال أخيرًا: "أيجوز للأديب أن يعرف شعر أبي تمام وهو أستاذ كل من قال الشعر بعده؟". وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين على غريبها. ولما استقرَّ في دار السلام وترفَّع عن مدح الوزير المهلبي شقَّ ذلك على المهبلي فأغرى به شعراء العراق وتباروا في هجائه فلم يجبهم ولم يفكر فيهم. فقيل له في ذلك فقال: إني فرغتُ من إجابتهم بقولي لمن هو أرفع طبقة في الشعر منهم. أرى المتشاعرين غروا بذمّي ومن ذا يحمد الداء العضالا ومَن يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريـضٍ يجد مرًّا به المـاء الـزلالا سفره إلى شيراز ببلاد فارس ثم رحل المتنبي عن بغداد متوجهًا إلى حضرة العميد أبي الفضل محمد بن الحسين وزير ركن الدولة بأرجان سنة 354 فحسن موقعه عنده وأنشده القصيدة التي استهلها بقوله: بادٍ هواكَ صبرتَ أم لم تصبرا وبكاك إن لم يجرِ دمعكَ أو جرى وسار أبو الطيب وما ودّع ابن العميد وقال عند مسيره: نسيت وما أنسى عتابًا على الصدّ ولا خفرًا ازادت به خمرة الخدِّ قاصدًا أبا شجاع عضدالدولة بشيراز فأنشده القصيدة: آوهِ بديلٌ من قولتي وآها لمن نأت والبديل ذكراها ولما نجحت سفرته وربحت تجارته بحضرة عضد الدولة ووصل إليه من صلاتهِ أكثر من مائتي ألف درهم استأذنه في المسير إلى شيراز ثم يعود إليه فأذن له وأمر بأن تخلع عليه الحلل الخاصة وتُعاد صلته بالمال الكثير فامتثل وأنشده القصيدة التي هي آخر شعره سنة 354 وقد ضمنها قولاً كأنه ينعي به نفسه، ومطلعها: فِدىً لكَ من يقصّر عن مداكا فلا مَلكٌ إذن إلاَّ فداكا وقد أكثر أبو الطيّب من التشاؤم على نفسه في هذه القصيدة بما لم يقع له في غيرها وما لم يخطر على قلبه في جميع عزائمه وأسفاره، وذلك أنه بعد ارتحاله من شيراز قُتل في الطريق. وهذا شيءٌ مما روي عن مقتله: مقتل المتنبي قال الخالديان: كتبنا إلى أبي النصر محمد الجلّي نسأله عما وقع لأبي الطيب المتنبي بعد مفارقته عضد الدولة وكيف كان قتله. وأبو النصر هذا من وجوه الناس في تلك الناحية. فأجابنا عن كتابنا جوابًا طويلاً يقول في أثنائه أما ما سألتما من خبر مقتل أبي الطيّب المتنبي فأنا أسوقه لكما وأشرحه شرحًا بينًا. اعلما أن مسيره كان من واسط يوم السبت لعشر ليالٍ بقيت من شهر رمضان سنة 354 بقريةٍ تقرب من دير العاقول في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان. والذي تولى قتله وقتل ابنه محسَّد وغلامه رجلٌ من بني أسد يُقال له فاتك بن أبي جهل بن فراس بن شداد الأسدي. وكان من قول فاتك لما قتله: "قبحًا لهذه اللحية يا قذَّاف المحصنات". وذلك أن فاتكًا هذا هو خال ضبَّة بن يزيد العيني الذي هجاه أبو الطيّب بقوله: ما أنصف القوم ضبَّه _________________________ وأمه الطُرُطُبَّه _________________________ فيقال إن فاتكًا داخلته الحمية لما سمع ذكر أخته أم ضبَّة بالقبح في هذه القصيدة فكان ذلك سبب قتل أبي الطيب وابنه وأصحابه وذهاب ماله. وأما شرح الخبر فإن فاتكًا هذا صديقٌ لي وهو كما سمّى فاتكٌ لسفكه الدماء وإقدامه على الأهوال. فلما سمع القصيدة التي هجا بها ضبَّة اشتدّ غضبه ورجع على ضبّة باللوم وقال له كان يجب أن لا تجعل لشاعرٍ عليك سبيلاً وهو يضمر السوء على أبي الطيب ولا يتظاهر به. واتصل به انصراف أبي الطيب من بلاد فارس وتوجهه إلى العراق وعلم أن اجتيازه بجبل دير العاقول فلم يكن ينزل عن فرسه ومعه جماعة من بني عمه يرون في المتنبي مثل رأيه فكانوا لا يزالون يتسمون أخباره من صادر ووارد. وكان كثيرًا ما ينزل عندي فقلت له يومًا وقد جاءني وهو يسأل قومًا مجتازين عن المتنبي أراك قد أكثرت السؤال عن هذا الرجل فماذا تريد منه إذا لقيته. فقال ما أريد إلاَّ الجميل وعذله على هجاء ضبَّة. فقلت هذا لا يليق بأخلاقك. فتضاحك ثم قال يا أبا نصر والله لئن اكتحلت عيني به أو جمعتني وإياه بقعةٌ لأسفكنَّ دمه وامحقنَّ حياته إلا أن يُحال بيني وبينه بما لا أستطيع دفعه. فقلتُ له كفَّ عن هذا وارجع إلى الله فإن الرجل شهير الاسم بعيد الصيت ولا يحسن منك قتله على شعر قاله وقد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية والخلفاء في الإسلام فما سمعنا بشاعرٍ قُتل بهجائه. وقد قال الشاعر: هجوت زهيرًا ثم إني مدحتهُ _________________________ وما زالت الأشراف تُهجى وتُمدحُ _________________________ فقال يفعل الله ما يشاء وانصرف. وما مضى بعد هذا إلا أيامٌ قليلة حتى وافاني المتنبي ومعه بغال موقرة من الذهب والفضة والطيب والملابس والتجملات النفيسة والكتب الثمينة والأدوات الكثيرة، لأنه كان إذا سافر لا يترك في منزله درهمًا ولا شيئًا يساويه. وكان أكثر إشفاقه على دفاتره لأنه كان قد انتخبها وأحكمها قراءة وتصحيحًا. فتلقيته وأنزلته في داري وسألته عن أخباره وعمن لقي في تلك السفرة فعرّفني من ذلك ما سررت بهِ له وأقبل يصف ابن العميد وفضله وكرمه وعلمه، وكرم عضد الدولة ورغبته في الأدب وميله إلى أهله. فلما أمسينا قلت له يا أبا الطيّب علامَ أنتَ مجمعٌ؟ قال على أن أتخذ الليل مركبًا فإن السير فيه أخفّ عليَّ. قلت هذا هو الصواب رجاء أن يخفيه الليل ولا يصبح إلا وهو قد قطع بلدًا بعيدًا. وقلت له والرأي أن يكون معكَ من رجال هذه البلدة الذين يعرفون هذه المواضع المخيفة جماعةٌ يمشون بين يديك إلى بغداد فقطَّب وجهه وقال: فما تريد بذلك؟ قلتُ أريد أن تستأنس بهم في الطريق. فقال أنا والجُراز في عنقي فما لي حاجة إلى مؤنسٍ غيره. قلت الأمر كما تقول ولكن الرأي في الذي أشرت به عليك. فقال تلويحك ينبي عن تعريضٍ وتعريضك ينبي عن تصريحٍ فعرفني جلية الأمر. قلت إن هذا الجاهل فاتكًاالأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام وهو غير راضٍ عنك لأنك هجوت ابن أخته ضبَّة وقد تكلم بما يوجب الاحتراز والتيقظ ومعه أيضًا جماعة نحو العشرين من بني عمه. فقال غلام أبي الطيّب الصواب يا مولاي ما أشار به أبو النصر، خذ معك عشرين رجلاً يسيرون بين يديك إلى بغداد. فاغتاظ أبو الطيّب من غلامه غيظًا شديدًا وشتمه شتمًا قبيحًا وقال: والله لا أرضى أن يتحدَّث الناس بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي. فقلتُ يا هذا أنا أرسل قومًا من قِبلي في حاجة لي يسيرون بمسيرك وهم في خفارتك. فقال والله لا فعلتُ شيئًا من هذا. ثم قال: يا أبا نصر أَبنجو الطير تخوّفني ومن عبيد العصا تخاف عليَّ؟ والله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطئ الفرات وبنو أسد معطشون لخمسٍ وقد نظروا الماء كبطون الحيَّات ما جسر لهم خفٌ ولا ظلفٌ أن يرده معاذ الله أن أشغل فكري بهم لحظة عين. فقلتُ له قل إن شاء الله فقال هي كلمة مقولة لا تدفع مقضيًا ولا تستجلب آتيًا. ثم ركب فكان آخر العهد به. ولما صحَّ عندي خبر قتله وجَّهت من دفنه ودفن ابنه وغلامه وذ هبت دماؤهم هدرًا. هذا هو الصحيح من خبره وقيل أن بني ضبة قتلوه بعد أن قاتل قتالاً شديدًا. وقد رثاه أبو القاسم مظفر بن عليّ الطبسي بقوله: لا رعى الله صرفَ هذا الزمان إذ دهانا بمثل ذاك اللســانِ _________________________ كان من نفسـه الكبــيرة في _________________________ جيشٍ ومن كبرياهُ في سلطان _________________________ ما رأى الناس ثانيَ المتـنبي _________________________ أيُّ ثانٍ يرى لبكر الزمــانِ _________________________ هو في شــعره نبيٌّ ولكن _________________________ ظهرت معجزاته في المعاني _________________________ ورثاه ثابت بن هارون البرقي النصراني بقصيدة يستثير بها عضد الدولة على فاتك الأسدي ومطلعها: الدهرُ أخبث والليالي أنكد ُ _________________________ من أن تعيش بأهلها يا أحمد _________________________ ورثاه أبو الفتح عثمان بن جني بقصيدة يقول في أولها: غاض القريضُ وأذوت نضرة الأدبِ _________________________ وصوَّحت بعد ريٍّ دولة الكتبِ _________________________ منها: عمرتَ خدنَ المساعي غير مضطربٍ _________________________ ومتَّ كالنصل لم يدنس ولم يعبِ _________________________ اختلف علماء الأدب في شعر المتنبي وبيان منزلته فمنهم من رجحه على أبي تمام والبحتري ومنهم من رجحهما عليه وقد عني بشرح قصائده النقَّاد من المتقدمين والمتأخرين بينهم الجرجاني وابن جني وأبوالعلاء المعرّي وابن سِيده والمستوفي وإبرهيم الإقليلي وأبو بكر الخوارزمي والتلمساني والخطيب التبريزي والسيد البطليوسي وغيرهم حتى جاوز عدد شرَّاحه الأربعين مما لم يسبق لغيره من شعراء العربية. على أن أبلغ شرح وأوفاه هو الذي ابتدأه الشيخ ناصيف اليازجي وأتّمه ابنه الشيخ إبرهيم وأضاف إليه خاتمة وحيدة في بابها نقد فيها نقد العالم المدقق شعر المتنبي فرأينا أن نقتطف منها ما نورده فيما يلي: رأي الشيخ إبراهيم اليازجي الغرض من هذا الفصل الكلام على شعر المتنبي من حيث هو كلام تراد منه المطابقة بين المسموع والمفهوم فأذكر ما له من إجادة أو تقصير في استخدام الألفاظ من حيث هي قوالب للمعاني مع بيان الحدّ الذي جرى إليه في ذلك ومنزلة شعره من هذه الوجهة مما يرجع بالأكثر إلى أدب الكاتب وصناعة اللغوي ويكون مرمى لنظر علماء المعاني وأصحاب الترسل في صياغة اللفظ وتقديره على المعنى. وهذا مما ألمَّ به بعض المتكلمين على ديوانه. إلا أنهم على الغالب يشيرون إليه من جانب البحث ولم أجد مَن تفرَّغ لإشباع الكلام فيه مع أنه لم يشرح هذا الديوان شارح إلا خبط في دياجير لفظه وهام في تيه تعبيره. والعجب أن كثيرًا من خاصة الناس فضلاً عن عامتهم ممن يذهبون إلى تفضيل المتنبي على سائر الشعراء يرون أنه إنما نال هذه المنزلة وانفرد بالمزية على غيره لخفاء معانيه. وعندي إن ما كان كذلك حتى يحتاج في استخراج معناه إلى استباط القريحة وقدح زند الخاطر وحتى يكون المعنى من عند الشارح لا من عند الشاعر لا يستحق أن يسمى شعرًا. وما أرى ابن خلدون ومن على رأيه نفى الشاعرية عن المتنبي إلا لأبياته المبهمة التي ظهر عليها أثر الصنعة وتجاذبها التكلف والتعقد. وإذا جاوزت هذه النظائر من شعره إلى ما له من المعاني المبتكرة والقلائد المعدودة مما أجمع أهل العلم والشعر على تبريزه فيه واعترف أنداده وحسَّاده من الشعراء باختراعه له لم تكد تجد فيه خفاءً ولا إشكالاً بل هو في غالب حاله غاية الغايات في استحكام التأليف وبداهة التعبير وجودة السبك ووضوح المراد قد كسته الفصاحة زخرفها وألقى عليه البيان نوره فتسابقت معانيه إلى الأفهام وعلقت ألفاظه بالخواطر والأوهام واستوى في إنشاده الخاصي والعامي والتقى على استحسانه العالم والأمي. فمن غرره المشهورة قوله: بعثوا الرعب في قلوب الأعادي _________________________ فكان القتال قبل التـلاقي _________________________ وتكاد الظبى لما عــودَّوهـا _________________________ تنتضي نفسها إلى الأعناق _________________________ وقوله وهو من غريب تصرفه في المعاني: لجيادٍ يدخلنَ في الحرب أعرآ _________________________ ءً ويخرجنَ من دم في جلال ِ _________________________ واستعار الحديد لونًا وألقى _________________________ لونـه في ذوائب الأطفــالِ _________________________ ومن بدائعه السائرة قوله: رماني الدهر بالأرزاء حتى _________________________ فؤادي في غشاءٍ من نبــال _________________________ فصرت إذا أصابتني سهام _________________________ تكسرت النصالُ على النصال ِ _________________________ ومن حسنات قوله: وقفتَ وما في الموتِ شكّ لواقفٍ _________________________ كأنك في جفن الردى وهو نائمُ _________________________ تمرُّ بك الأبطال كلمى هزيمـة _________________________ ووجهك وضَّاح وثغرك باسـمُ _________________________ ومنها: تدوسُ بك الخيل الوكور على الذرى _________________________ وقد كثرت حول الوكور المطاعمُ _________________________ تظنُّ فراخ الفتــخ أنك زرتــها _________________________ بأماتها وهي العتاقُ الصـــلادمُ _________________________ إذا زلقت مشــيتها ببطــونها _________________________ كما تتمشى في الصعيد الأرائــمُ _________________________ وهذا القدر من قلائده كافٍ في مقام الاستشهاد ولو أردتُ استيفاءَ ما له من الحسنات والمعجزات لم يكفني ما هو دون المجلدات ومن أراد الاستقصاء في ذلك رددته إلى الديوان من غير أن أشير إلى موضع مخصوص ولا قصيدة بعينها لأن غالب شعره من هذا النسج الأنيق والوشي البديع. وبما ذكرَ ومثله اشتهر المتنبي وارتفع قدره وأُشير إلى موضعه في كل طبقة من الناس. وهذا هو المحفوظ من شعره الذي سارت به الركبان وتناقلته الرواة وعمرت به أندية الأدب ورنَّ صداه في محافل الخطب والذي به صار المتنبي ما تمثله الأذهان وتسمع به الآذان. وكأني بالمتنبي مع طول باعه في صناعة الأدب وفضل علمه بمواقع الإساءة والإحسان كان قليل النقد لشعره حريصًا على كل ما يبدو من خاطره لا يسمح بشيءٍ منه مع طول قصائده واستقلالها بعد حذف كثيرٍ من أبياتها لو اقتصر منها على الجيّد لساد أمراء الشعر بلا مدافع ولم تجد في نقدة الكلام وجهابذة الأدب من يقدّم شاعرًا عليه". رأي الشيخ إبراهيم اليازجي - تابع ذهب بعض النقَّاد إلى أن الحكّم المأثورة التي أوردها المتنبي في قصائده قد استمدها من أقوال أرسطو. وعلَّلوا ذلك بأن المتنبي كان مطلعًا على فلسفة ذلك الحكيم اليوناني بما نقل منها إلى العربية. أما المرجَّح فهو أن اتفاق أبي الطيّب وأرسطو في جملة من الآراء والنظرات الفلسفية لم يكن إلا تواردًا اتفق مثله للكثيرين من عباقرة البشر. وقد عني الإمام أبو عليّ محمد بن الحسن بن المظفر الكاتب اللغوي المعروف بالحاتمي بالموافقة بين أقوال أرسطو وأبيات المتنبي فكان في درسه باحثًا مدققًا وناقدًا منصفًا قال: "لما رأيت أبا الطيب أحمد بن الحسين الشاعر اللغوي المعروف بالمتنبي قد أتى في شعره على أغراض فلسفية ومعاني منطقية أردت الموافقة بين ما توارد به في شعره مع أرسطو في حكمهِ لأنه إن كان ذلك عن فحص ونظر، فقد أغرق في درس العلوم وإن يكن ذلك منه على سبيل الاتفاق، فقد زاد على الفلاسفة في ذلك. وهو في الحالين على غاية الفضل وقد أوردت من جملة ما يستدل على فضله: قال أرسطو: إذا كانت الشهوة فوق القدرة، كان هلاك النفس دون بلوغها.قال المتنبي: وإذا كانت النفوس كبارا _________________________ تعبت في مرادها الأجسامُ _________________________ قال أرسطو: النفوس أغراض لحوادث الزمان. قال المتنبي: إذا اعتاد الفتى خوض المنايا _________________________ فأهون ما يمرُّ به الوحولُ _________________________ قال أرسطو: الألفاظ المنطقية مضرَّة بذوي الجهل لنبوّ إحساسهم عن إدراكها. قال المتنبي: بذي الغباوة من إنشادها ضررٌ _________________________ كما تضرُّ رياح الوردِ بالجُعَلِ _________________________ قال أرسطو: الزمان ينشئ ويلاشي، فغنى كل قوم سبب لكون قوم آخرين. قال المتنبي: بذا قضتِ الأيامُ ما بينَ أهلها _________________________ مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ _________________________ قال أرسطو: باعتدال الأمزجة وتساوي الإحساس يفرق بين الأشياء وأضدادها. قال المتنبي: وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظره _________________________ إذا استوت عنده الأنوار والظَلمُ _________________________ قال أرسطو: من لم يردك لنفسه فهو النائي عنك وإن تباعدتَ أنت عنه. قال المتنبي: إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدروا _________________________ إن لا تفارقهم فالراحلون همُ _________________________ قال أرسطو: من علم أن الفناء مستولٍ على كونه هانت عليه المصائب. قال المتنبي: والهجرُ أقتلُ لي مما راقبهُ _________________________ أنا الغريقُ فما خوفي من البللِ _________________________ قال أرسطو: العيان شاهد لنفسه، والاختبار يدخل عليها الزيادة والنقصان. قال المتنبي: وخذ ما تراه ودعْ شيئًا سمعت بهِ _________________________ في طلعةِ البدر ما يغنيكَ عن زحلِ _________________________ قال أرسطو: قد يفسد العضو لمصلحة الأعضاء. قال المتنبي: لعلَّ عتبَك محمودٌ عواقبهُ _________________________ وربما صحَّت الأجسام بالعللِ _________________________ قال أرسطو: مباينة المتكلف المطبوع كمباينة الحق الباطل. قال المتنبي: لأن حلمك حلمٌ لا تكلَّفهُ _________________________ ليس التكحل بالعينين كالكحلِ _________________________ قال أرسطو: علل الأفهام أشدُّ من علل الأجسام. قال المتنبي: يهون علينا أن تُصاب جسومنا _________________________ وتسلم أعراضٌ لنا وعقولُ _________________________ قال أرسطو: مَن تخلَّى عن الظلم بظاهر أمره وعنت جوارحه وكان مساكنًا بحواسه فهو ظالم. قال المتنبي: وإطراقُ طرف العين ليس بنافعٍ _________________________ إذا كان طرف القلب ليس بمطرقِ _________________________ قال أرسطو: من يجعل الفكر في موضع البديهة فقد أضرَّ بخاطره وكذلك مَن جعل البديهة موضع الفكر. قال المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعلى _________________________ مضرّ كوضع السيف في موضع الندى _________________________ قال أرسطو: إذا لم تنصرف عن النفس شهواتها ومرادها، فحياتها موت ووجودها عدم . قال المتنبي: ذلَّ مَن يغبطُ الذليل بعيشٍ _________________________ ربَّ عيشٍ أخفّ منه الحمامُ _________________________ قال أرسطو: الفرق بين الحلم والعجز أن الحلم لا يكون إلا عن قدرةٍ والعجز لا يكون إلا عن ضعفٍ فلا يسمى العاجز حليمًا وهو عاجز. قال المتنبي: كل حلمٍ أتى بغير اقتدارٍ _________________________ حجة تلتجئ إليها اللئامُ _________________________ قال أرسطو: النفس الذليلة لا تجد ألم الهوان، والنفس الكريمة ترى الأشياء بطبعها. قال المتنبي: مَن يهنَ يسهل الهوان عليه _________________________ ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ _________________________ قال أرسطو: الجاهل لا يحلو عنده طعم العلم بل يجد له ثقلاً كما تنقل على المريض الأدوية النافعة ويخلو له في فمه غير طعمها. قال المتنبي: ومن يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريض _________________________ يجد مرًّا به الماء الزُلالا _________________________ قال أرسطو: ليس جمال ظاهر الإنسان مما يستدلُ به على حسن فعله وفضله. قال المتنبي: لا يعجبنَّ مصونًا حسن بزَّته _________________________ وهل يروق دفينًا جودة الكفنِ _________________________ قال أرسطو: مَن نظر بعين العقل ورأى عواقب الأمور قبل مواردها لم يجزع لحلولها. قال المتنبي: عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا _________________________ فلما دهتني لم تزدني بها علمًا _________________________ قال أرسطو، لا برح الفضل بترك الذمّ ثم التناهي في المدح. قال المتنبي: ومني استعاد الناس كل غريبةٍ _________________________ فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمدُ _________________________ قال أرسطو، مَن لم يرفع قدره عن قدر الجاهل، رفع الجاهل قدره عليه. قال المتنبي: إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ _________________________ على هبةٍ في مَن له الشكرُ _________________________ قال أرسطو، مَن أفنى مدته في جمع المال خوف العدم فقد أسلم نفسه إلى العدم. قال المتنبي: ومن ينفق الساعات في جمع مالهِ _________________________ مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقرُ _________________________ قال أرسطو، الذي لا يعلم بعلّتهِ لا يصل إلى برئهِ. قال المتنبي: ومن جاهل بي وهو يجهل جهلهُ _________________________ ويجهل علمي أنه بيَ جاهلُ _________________________ قال أرسطو، حلول الفناء في عظيم الأمور كحلوله في صغيرها. قال المتنبي: فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ _________________________ كطعم الموت في أمرٍ عظيمِ _________________________ قال أرسطو، العاقل لا يساكن شهوة الطبع لعلمهِ بزوالها، والجاهل يظنّ أنها باقية وهو باقٍ، فذاك يشقى بعقله وهذا ينعم بجهله. قال المتنبي: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله _________________________ وأخو الجهالة بالشقاوة ينعمُ _________________________ قال أرسطو، وقد رأى غلامًا حسن الوجه فاستنطقه فلم يجد عنده علمًا فقال، نعم البيت لو كان فيه ساكن قال المتنبي: وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له _________________________ إذا لم يكن في فعله والخلائقِ _________________________ قال أرسطو، الكلال والملال يتعاقبان الأجسام لضعف الجسم لا لضعف الحسّ. قال المتنبي: وإذا الشيخ قال أفٍ فما ملَّ _________________________ حياةً وإنما الضعف ملاَّ _________________________ قال أرسطو، الجبن ذلة كامنة في نفس الجبان فإذا خلا بنفسه أَظهر شجاعة. قال المتنبي: وإذا ما خلا الجبان بأرضٍ _________________________ طلب الطعن وحدهُ والنزالا _________________________ قال أرسطو، الغلبة بطبع الحياة، والمسالمة بطبع الموت، والنفس لا تحبّ أن تموت فلذلك تحبّ أخذ الأشياء بالغلبة. قال المتنبي: من أطاق التماس شيء غلابا _________________________ واغتصابًا لم يلتمسه سؤالا _________________________ قال أرسطو، الإنسان شبح روحاني ذو عقل غريزي لا ما تراه العيون من ظاهر الصورة. قال المتنبي: لولا العقول لكان أدنى ضيغمٍ _________________________ أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ _________________________ قال أرسطو، الظلم من طبع النفس إنما يصدُّها عن ذلك خلتان، خلة دينية وخلة دنيوية سياسية، خوف الانتقام. قال المتنبي: الظلم من شيم النفوس فإن تجد _________________________ ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلمُ _________________________ قال أرسطو، ثلثة إن لم تظلمهم ظلموك، ولدكَ وعبدكَ وزوجتك، فسبب صلاحهم التعدَّي عليهم قال المتنبي: من الحلم أن تستعمل الجهل دونهُ _________________________ إذا اتسعت في الحلم طرق المظالمِ _________________________ قال أرسطو، النفوس المجوهرة تشرك الشهوات البهيمية طبعًا لا خوفًا. قال المتنبي: وترى المروَّة والفتوة والأبو _________________________ ة فيَّ كلُّ مليحةٍ ضراتها _________________________ قال أرسطو، من أثرى من العدم افتقر من الكرم. قال المتنبي: وربَّ مثرٍ فقيرًا من مروَّته _________________________ لم يثرِ منها كما أثرى من العدمِ _________________________ قال أرسطو، أتعب الناس من قصرت مقدرته واتسعت مروءَته. قال المتنبي: وأتعب خلق الله من زاد همه _________________________ وقصر عمَّا تشتهي النفس وجده _________________________ قال أرسطو، أَعظم الناس محنةً من قلَّ ماله وعظم مجده، ولا مال لمن كثر ماله وقلَّ مجده. قال المتنبي: فلا مجد في الدنيا لمن قلَّ مالهُ _________________________ ولا مال في الدنيا لمنْ قلَّ مجدُ _________________________ قال أرسطو، أعجز العجز من قدر على أن يزيل العجز عن نفسهِ فلم يفعل. قال المتنبي: ولم أر في عيوب الناس شيئًا _________________________ كنقص القادرين على التمام _________________________ قال أرسطو، إذا كان سقم النفس بالجهل كان الموت شفاءَها. قال المتنبي: إذا استشفيت من داءٍ بداء _________________________ فأَقتل ما أعلَّك ما شفاكا _________________________ قال أرسطو، اللطايف سماوية والكتايف أرضية، وكل عنصر هو عائد إلى عنصره الأول. قال المتنبي: فهذه الأرواح من جوّه _________________________ وهذه الأجساد من تربهِ _________________________ قال أرسطو، أعظم ما على النفوس إعظام ذوي الدناءَة. قال المتنبي: فإني رأيت الضر أحسن منظرًا _________________________ وأهون من مرءٍ صغير به كبرُ _________________________ قال أرسطو، آخر إفراط المتوقي أول موارد الحزن. قال المتنبي: وغاية المفرط في سلمهِ _________________________ كغاية المفرط في حربهِ 00000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 ((سيرة المتنبي)) بقلم ((سلمان هادي الطّعمة)) في فجر حياتي الأدبية شغفت بأبي محسَّد، وكان هذا الشغف يكبر معي.. لذا كانت هذه الدراسة استقطارا لذلك الشغف المتنامي. كفى العربية فخرا شامخا وعزا ساميا أن تنجب هذه الشخصية الفريدة في فكرنا العربي. ولا أحسب شاعرا عربيا كان يمكن أن يكون في هذا العصر أبعد صرخة وأكثر حماسة وأورى زندا من هذا الشاعر. وقد لا أعدو الصواب إذا قلت أن المتنبي أغزر الشعراء فضلا وأوسعهم شهرة وأعلاهم منزلة، فقد رفع شأن الشعر العربي وأحله مرتبة لم تكن له من قبل، وحمل الراية عاليا، وفتح للشعراء طرائق الخلد، وسن لهم سنن المجد. وبذلك تبوأ مكانة رفيعة ومنزلة سامية، مما دفعنا إلى الإعجاب بعبقريته والافتتان بشعره. ولد الشاعر الحكيم أبو الطيب المتنبي في محلة كندة بالكوفة . وقد أجمع الرواة أن تاريخ مولده هو سنة 303 هـ. ذكره ابن خلكان في تاريخه فقال: أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي المعروف بالمتنبي الشاعر المشهور، وقيل هو أحمد بن الحسين بن مرة بن عبد الجبار والله أعلم . وقال عنه ابن رشيق في كتابه العمدة: إنه مالئ الدنيا وشاغل الناس ذلك هو أحمد بن الحسين الملقب بأبي الطيب المتنبي) . ومهما يكن فهو عربي الأصل، نشأ في أسرة فقيرة، ويعرف أبوه بعبدان السقاء كان عمله سقاية الماء في محلة كندة، وقد أرسله حين درج إلى مدارس العلويين في الكوفة ليتعلم فيها القراءة والكتابة مع فريق من أولاد أشراف العلويين. وأخذ يختلف على دكاكين الوراقين لمطالعة بعض الكتب والكراريس، وكانت هذه الحوانيت منتدى للأدب، يقصدها العلماء والأدباء والباحثون، فلا بد أنه كان يلقى فيها كثيرا منهم ويتصل بهم. وطبيعي أن تلك الحوانيت هي التي مهدت للمتنبي ثقافته الأولى، ساعده على ذلك ذكاؤه الحاد، ويروى عنه أنه كان قوي الذاكرة، سريع الحفظ. وأنه ذهب إلى البادية وأقام فيها سنتين لتقويم لسانه وتعلم اللغة. ويبدو أنه سافر لهذه الغاية عندما أغار القرامطة على الكوفة سنة 312هـ، وغادرها ثانية سنة 319هـ مع كثير من أهلها لعودة القرامطة إليها بعد انتصارهم على جيوش الخلافة. ويحدثنا الرواة أنه خرج إلى بادية بني كلب. فأقام بينهم مدة ينشدهم من شعره ويأخذ عنهم اللغة، فعظم شأنه بينهم، حتى وشى بعضهم إلى لؤلؤ أمير حمص من قبل الإخشيدية بأن أبا الطيب ادعى النبوة في بني كلب وتبعه منهم خلق كثير، ويخشى على ملك الشام منه، فخرج لؤلؤ إلى بني كلب وحاربهم وقبض على المتنبي وسجنه طويلا ثم استتابه وأطلقه . ونحن لا ندري على وجه التحقيق لم ذهب المتنبي إلى البادية، هل ذهب إلى هناك ليتقن اللغة، أم أن أباه اضطر إلى الهرب من الكوفة واللجوء إلى الصحراء نتيجة للحوادث السياسية والاضطرابات التي كانت تتعرض الكوفة آنذاك!! فنحن نعلم أن الكوفة كانت عرضة لهجمات القرامطة الذين أقاموا لهم حكومة في البحرين، وكان النزاع بين رئيسهم أبي طاهر وبين الخلافة العباسية شديدا، فقد هاجم أبو طاهر البصرة سنة 311هـ، وقطع طريق الحج وسلب الحجاج العائدين من مكة سنة 312هـ. وفي السنة نفسها قطع طريق الحجاج العراقيين الذاهبين إلى مكة، واغتنم فرصة الذعر الذي استولى على العراقيين، فدخل الكوفة ونهبها وضربها ثم عاد إلى البحرين. فلعل هجرة والد أبي الطيب إلى البادية كان نتيجة لهذا الذعر الذي لحق الكوفيين. ومهما يكن من سبب هذه الهجرة إلى البادية، فإننا نعلم أن والده استقر به في بادية السماوة عند بني الصابي، وهم فرع من جشم بن همدان أخواله، ومكث سنتين في بادية السماوة، ويبدو أن القرمطية اجتذبت في بدء ظهورها أنصارا لها من أوساط البدو المتحمسين. ولعل تلك الدعوة تناولت القبائل كافة ، مما حمل الدكتور ر. بلاشير على الاعتقاد بأنه لقي بعض القرامطة فتأثر بهم، فإن لم يتأثر بالدعوة القرمطية فليس بمستبعد أن يكون أصابه الاضطراب من جراء المأساة التي قلبت أوضاع الخلافة ويتابعه في هذا الرأي الدكتور طه حسين إذ قال: إن المتنبي قد أصبح قرمطيا من أثر بقائه في البادية، إذ أن القرامطة منذ ظهروا كانوا يجدون في بادية الشام حماسة للدعوة، فهو تأثر بهم أو أنه أصبح داعية من دعاتهم، وأنه طمع في أن يستهوي (بدر بن عمار أمير طبريا) إلى قرمطيته القديمة عاد المتنبي إلى الكوفة ، ورجح بعض الباحثين أن ذلك كان سنة 315هـ، واستقر في الكوفة ، ولا نعلم على وجه التحقيق كيف قضى المتنبي حياته في الكوفة بعد عودته إليها، وكل الذي نعلمه أنه اتصل بشخص يعرف أبو الفضل الكوفي، وأبو الفضل هذا رجل قد ثقف الفلسفة. يقول صاحب الخزانة: إن أبا الطيب وقع في صغره إلى واحد يكنى أبا الفضل بالكوفة من المتفلسفة فهوسه وأضله كما ضل . ولا ندري إذا كان أبو الطيب قد درس عليه الفلسفة حقا! وكل الذي نعلمه أن صاحب الوساطة يذكر لنا شعره الذي تأثر فيه بالفلسفة اليونانية، فهل كان ذلك لأنه درس الفلسفة، أو كان من أثر هذه الآراء العامة التي كانت شائعة بين المثقفين في ذلك العصر! ونحن أميل إلى الاعتقاد الثاني، فدراسة الفلسفة لا بد أن تكون قد تركت لها آثارا على شعره. وقد مدح أبو الطيب أبا الفضل بقصيدة غريبة فيها أبيات تلفت النظر أنها في الحقيقة تحوي آراء هي التي حملت بعض الباحثين على القول باعتناق المتنبي لمذهب القرامطة. ولكن ناشر ديوان المتنبي يقول عنها إن المتنبي إنما قالها ليمتحن عقب أبي الفضل، وكلا التفسيرين يجانبان الواقع، فنحن نعتقد أن المتنبي إنما ذكر هذه الصفات وهذه الآراء ليفخم بممدوحه، وأن المتنبي لم ير بأسا في مدح من يعتنق هذه المبادئ فيقول مثلا: يا أيها الملك المصفى جوهرًا _________________________ من ذات ذي الملكوت أسمى من سما _________________________ نور تظافر فيك لاهوتيّه _________________________ فتكاد تعلم علم ما لم يعلما _________________________ ويهم فيك إذا نطقت فصاحة _________________________ من كل عضو منك أن يتكلما _________________________ أنا مبصر وأظن أني نائم _________________________ من كان يحلم بالإله فأحلما _________________________ كبر العيان عليَّ حتى أنه _________________________ صار اليقين من العيان توهما _________________________ ولكن هذا الكلام، وإن كان صريحا في ذكر الحلول، فلا يدل على أن المتنبي كان قرمطيا، وربما كانت هذه عقيدة ممدوحه أبي الفضل فذكرها تقربا إليه، وهو على كل حال، يدل على عدم اهتمام المتنبي بالتمسك بروح الدين. وبعد رجوعه من البادية إلي الكوفة ، لم يطل مكثه بها، فتركها إلى بغداد ، ولم يبق في بغداد طويلا، فخرج عنها إلى الشام. يقول طه حسين: إن المتنبي إنما ترك الكوفة بسبب عقيدته القرمطية خشية على نفسه من يؤاخذ، وأنه خرج إلى الشام بسبب هذه العقيدة ليتصل بالدعاة هناك ويعمل على نشر الفكرة . ونحن نرى أن في هذا الرأي إسرافا في الاستنتاج، فقد كان المتنبي حدث السن، وليس من المعقول أن يوكل إلى الأحداث مثل هذا النشاط الذي يريد طه حسين أن ينسبه إلى المتنبي. نحن أميل إلى الاعتقاد بأن المتنبي إنما قصد به أبوه إلى بغداد، بعد أن تجلت قدرته على قول الشعر طلبا للرزق هناك، ولكنه لم يحظ في بغداد بما كان يأمل بسبب حداثة سنه ولأن أداة الشعر لم تكن قد استكملت في نفس المتنبي. ويميل الدكتور بلاشير إلى الظن بأن المتنبي قد طالت إقامته في بغداد عاصمة الخلافة فاتصل هناك بالعلماء والأدباء يأخذ عنهم . ولم تكن هذه الإقامة لمجرد الاستعداد للخروج إلى الشام كما يرى الدكتور طه حسين، وكلا الرأيين يقومان على الحدس والظن أكثر مما يستندان إلى دليل تاريخي. ولكن الذي لا ريب فيه هو أن المتنبي لم يبق طويلا في بغداد ، وأنه خرج إلى الشام وهو لم يبلغ العشرين من عمره. ونرى أن الأحداث التي كانت تجري في الشام من نزاع بين الإخشيديين وبين خلفاء بغداد ومحاولات الطامعين إنشاء دولة والسيطرة على المدن وإقامة ملك لهم هو الذي لفت المتنبي إلى الذهاب إلى هناك، لأنه قد وجد في مثل هذا الوسط المضطرب مجالا لتحقيق طموحاته التي ولدتها في نفسه آراء القرامطة من ناحية وطموح طبيعي في نفسه من ناحية أخرى، ولأنه في الشام لا يعرفه أحد فلا يمكن أن تقف قصة مهنة أبيه عائقا في تحقيق مثل هذه المطامح. فالناس هناك يجهلون مثل هذه المهنة. ونحن نرى أن المتنبي في هذه الفترة اتصل بالرؤساء والزعماء يمدحهم ولا يكاد يستقر في محل إلا ليتركه إلى محل آخر. يقول عبد الجواد السيد إبراهيم: كانت غرة رحلاته الميمونة إلى بلاد الشام حيث انتقل من بدوها إلى حضرها وقصد طبرية واللاذقية وأنطاكية ، فاتصل في طبرية ببدر بن عمار وفي اللاذقية بالتنوخيين وفي أنطاكية بأبي العشائر الحمداني قريب سيف الدولة، وكان يمدح من اتصل بهم لا يضن بمدائحه على أحد . استقر أول الأمر في الجزيرة وشمال الشام ومدح جماعة من رؤساء البادية وأغنياء الحاضرة وأوساطها أيضا ثم مضى فأقام في طرابلس ح ينا قصيرا، وانحرف إلى طبرية فأقام قليلا في اللاذقية اتصل بالتنوخيين وهم أمراء العرب فمدحهم ثم حدثت بعد ذلك الحادثة التي أدت به إلى السجن، وبقي في السجن نحوا من سنتين، وأطلق سراحه، فغادر جنوب سوريا إلى الشمال وظل ينتقل هناك بين الأمراء حتى هيأ له الاتصال بسيف الدولة. ولعل كثرة تنقله بين المدن وبين رؤساء القبائل مع إعلانه الثورة في شعره هو الذي جعل خصومه يكيدون له عند والي حمص فسجن. أصبح المتنبي خلال إقامته في الشام أكثر شهرة وأقدر على إثارة حسد الحاسدين وكيد الكائدين، واستطاع هؤلاء الحساد أن يكيدوا له عند والي حمص، فكتبوا إليه أبياته التي تدل على استهانته بالدين من ناحية واستعداده للثورة من ناحية أخرى. ولعل صاحب حمص قد خشي أن يثور المتنبي، فألقاه في السجن. ولكن من الرواة من يقول أن سبب سجنه هو ادعاؤه النبوة وخداعه أعرابا من كلب بهذه النبوة، وأن أمره كان يقوى حتى خرج إليه أمير حمص، ففرق جمعه وألقاه في السجن. يذكر ابن تغري بردي: ونزل ببني كلب وأقام فيهم وادعى أنه علوي حسيني، ثم ادعى بعد ذلك النبوة، ثم عاد يدعي أنه علوي إلى أن أشهد عليه بالشام بالكذب في الدعوتين وحبس دهرا طويلا . وادعاء المتنبي للنبوة أمر مشكوك فيه، والقول فيه يرجع إلى روايات شفهية ثلاث، فالبديعي في (الصبح المنبي) يروي لنا رواية عن أبي عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاذقي وخلاصتها أن الصداقة كانت متينة بين أبي عبد الله والمتنبي، وأن المتنبي قد أظهر له أنه نبي مرسل إلى هذه الأمة الضالة ليملأها عدلا كما ملئت جورا، وأنه يوحى له أيضا وأنه قد أوحى إليه مائة عبرة وأربعة عشر عبرة والعبرة يتجاوز مقدارها الآية من القرآن، وأن معجزته هو أن يحبس الدَّرَّ عن الإبل لقطع أرزاق العصاة الفجار، وأنه استطاع ذلك بحيلة أو بضرب من السحر. وأن أبا عبد الله هذا قد آمن به وامتدت دعوته من اللاذقية حتى وصلت سورية ووصلت السماوة. ورواية أخرى يرويها لنا القاضي ابن شيبان عن الخطيب البغدادي في تاريخه، يقول: إن أبا الطيب قد استقر عند بني كلب فادعى أنه علوي من نسل الحسين ثم ادعى أنه نبي ثم رجع عن دعوة النبوة إلى ادعائه العلوية فكان ذلك سبب سجنه. ويقال إنه كان في أثناء دعوته يذيع قرآنا له، وأن أحد الرواة قد كتب سورة من (قرآنه) ولك نه قد فقدها، ولم يبق من هذا القر آن إلا آيات علقت بذاكرته منها: (والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار، امض على سننك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضل عن سبيله) . وكان أبو الطيب يومئذ يصرح بعبارته المشهورة: "لا نبيَّ بعدي" ويقول إن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بنبوته وقال: لا، نبيّ بعدي وأنا اسمي في السماء لا!" هذه هي الروايات التي يعتمد عليها المؤرخون ويستنتجون منها أن أبا الطيب قد ترك الإسلام وأعلن النبوة، ومن أجل ذلك لقب بالمتنبي. والذي نلاحظه على تلك الروايات أن الذين يروونها أشخاص مجهولون، وأن رواياتهم قد تناقلتها الأفواه، فزادت فيها ونقصت، ولكننا نجد أن الرواة المعلومين ممن اتصلوا بالمتنبي وشرحوا شعره، أو ممن جاءوا بعده وعنوا عناية كبيرة بشعره لا يذكرون لنا شيئا عن هذه النبوة كابن جني و أبي العلاء المعري، ونحن نعلم أن أبا العلاء كان قليل الاهتمام في أمور الدين حتى إنه لا يرى بأسا أن يشير إلى هذه النبوة، ولكنه لم يفعل. وقد عرض المستشرق (كراتشكوفسكي) لهذه الروايات، وهو يقول عنها إنها روايات ساذجة غير جديرة بالاطمئنان، ويقول إن ديوان المتنبي لا يشير إشارة إلى دعوى النبوة، وأن شرّاح الديوان لا يعتقدون بذلك، وأن الذين ترجموا للمتنبي لا يذكرون هذه الرواية على أنها رواية قاطعة، كما أن المتنبي أنكر بطرق ادعاءه النبوة، وأن ابن جني صديق المتنبي يذكر أنه إنما لقب بالمتنبي لقوله: أنا في أمة تداركها الله غريب كصـالح في ثمـود ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود ونحن نرى أن في هذا الرأي إسرافا في الاستنتاج، فقد كان المتنبي حدث السن، وليس من المعقول أن يوكل إلى الأحداث مثل هذا النشاط الذي يريد طه حسين أن ينسبه إلى المتنبي. نحن أميل إلى الاعتقاد بأن المتنبي إنما قصد به أبوه إلى بغداد، بعد أن تجلت قدرته على قول الشعر طلبا للرزق هناك، ولكنه لم يحظ في بغداد بما كان يأمل بسبب حداثة سنه ولأن أداة الشعر لم تكن قد استكملت في نفس المتنبي. ويميل الدكتور بلاشير إلى الظن بأن المتنبي قد طالت إقامته في بغداد عاصمة الخلافة فاتصل هناك بالعلماء والأدباء يأخذ عنهم . ولم تكن هذه الإقامة لمجرد الاستعداد للخروج إلى الشام كما يرى الدكتور طه حسين، وكلا الرأيين يقومان على الحدس والظن أكثر مما يستندان إلى دليل تاريخي. ولكن الذي لا ريب فيه هو أن المتنبي لم يبق طويلا في بغداد ، وأنه خرج إلى الشام وهو لم يبلغ العشرين من عمره. ونرى أن الأحداث التي كانت تجري في الشام من نزاع بين الإخشيديين وبين خلفاء بغداد ومحاولات الطامعين إنشاء دولة والسيطرة على المدن وإقامة ملك لهم هو الذي لفت المتنبي إلى الذهاب إلى هناك، لأنه قد وجد في مثل هذا الوسط المضطرب مجالا لتحقيق طموحاته التي ولدتها في نفسه آراء القرامطة من ناحية وطموح طبيعي في نفسه من ناحية أخرى، ولأنه في الشام لا يعرفه أحد فلا يمكن أن تقف قصة مهنة أبيه عائقا في تحقيق مثل هذه المطامح. فالناس هناك يجهلون مثل هذه المهنة. ونحن نرى أن المتنبي في هذه الفترة اتصل بالرؤساء والزعماء يمدحهم ولا يكاد يستقر في محل إلا ليتركه إلى محل آخر. يقول عبد الجواد السيد إبراهيم: كانت غرة رحلاته الميمونة إلى بلاد الشام حيث انتقل من بدوها إلى حضرها وقصد طبرية واللاذقية وأنطاكية ، فاتصل في طبرية ببدر بن عمار وفي اللاذقية بالتنوخيين وفي أنطاكية بأبي العشائر الحمداني قريب سيف الدولة، وكان يمدح من اتصل بهم لا يضن بمدائحه على أحد . استقر أول الأمر في الجزيرة وشمال الشام ومدح جماعة من رؤساء البادية وأغنياء الحاضرة وأوساطها أيضا ثم مضى فأقام في طرابلس ح ينا قصيرا، وانحرف إلى طبرية فأقام قليلا في اللاذقية اتصل بالتنوخيين وهم أمراء العرب فمدحهم ثم حدثت بعد ذلك الحادثة التي أدت به إلى السجن، وبقي في السجن نحوا من سنتين، وأطلق سراحه، فغادر جنوب سوريا إلى الشمال وظل ينتقل هناك بين الأمراء حتى هيأ له الاتصال بسيف الدولة. ولعل كثرة تنقله بين المدن وبين رؤساء القبائل مع إعلانه الثورة في شعره هو الذي جعل خصومه يكيدون له عند والي حمص فسجن. أصبح المتنبي خلال إقامته في الشام أكثر شهرة وأقدر على إثارة حسد الحاسدين وكيد الكائدين، واستطاع هؤلاء الحساد أن يكيدوا له عند والي حمص، فكتبوا إليه أبياته التي تدل على استهانته بالدين من ناحية واستعداده للثورة من ناحية أخرى. ولعل صاحب حمص قد خشي أن يثور المتنبي، فألقاه في السجن. ولكن من الرواة من يقول أن سبب سجنه هو ادعاؤه النبوة وخداعه أعرابا من كلب بهذه النبوة، وأن أمره كان يقوى حتى خرج إليه أمير حمص، ففرق جمعه وألقاه في السجن. يذكر ابن تغري بردي: ونزل ببني كلب وأقام فيهم وادعى أنه علوي حسيني، ثم ادعى بعد ذلك النبوة، ثم عاد يدعي أنه علوي إلى أن أشهد عليه بالشام بالكذب في الدعوتين وحبس دهرا طويلا . وادعاء المتنبي للنبوة أمر مشكوك فيه، والقول فيه يرجع إلى روايات شفهية ثلاث، فالبديعي في (الصبح المنبي) يروي لنا رواية عن أبي عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاذقي وخلاصتها أن الصداقة كانت متينة بين أبي عبد الله والمتنبي، وأن المتنبي قد أظهر له أنه نبي مرسل إلى هذه الأمة الضالة ليملأها عدلا كما ملئت جورا، وأنه يوحى له أيضا وأنه قد أوحى إليه مائة عبرة وأربعة عشر عبرة والعبرة يتجاوز مقدارها الآية من القرآن، وأن معجزته هو أن يحبس الدَّرَّ عن الإبل لقطع أرزاق العصاة الفجار، وأنه استطاع ذلك بحيلة أو بضرب من السحر. وأن أبا عبد الله هذا قد آمن به وامتدت دعوته من اللاذقية حتى وصلت سورية ووصلت السماوة. ورواية أخرى يرويها لنا القاضي ابن شيبان عن الخطيب البغدادي في تاريخه، يقول: إن أبا الطيب قد استقر عند بني كلب فادعى أنه علوي من نسل الحسين ثم ادعى أنه نبي ثم رجع عن دعوة النبوة إلى ادعائه العلوية فكان ذلك سبب سجنه. ويقال إنه كان في أثناء دعوته يذيع قرآنا له، وأن أحد الرواة قد كتب سورة من (قرآنه) ولك نه قد فقدها، ولم يبق من هذا القر آن إلا آيات علقت بذاكرته منها: (والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار، امض على سننك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضل عن سبيله) . وكان أبو الطيب يومئذ يصرح بعبارته المشهورة: "لا نبيَّ بعدي" ويقول إن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بنبوته وقال: لا، نبيّ بعدي وأنا اسمي في السماء لا!" هذه هي الروايات التي يعتمد عليها المؤرخون ويستنتجون منها أن أبا الطيب قد ترك الإسلام وأعلن النبوة، ومن أجل ذلك لقب بالمتنبي. والذي نلاحظه على تلك الروايات أن الذين يروونها أشخاص مجهولون، وأن رواياتهم قد تناقلتها الأفواه، فزادت فيها ونقصت، ولكننا نجد أن الرواة المعلومين ممن اتصلوا بالمتنبي وشرحوا شعره، أو ممن جاءوا بعده وعنوا عناية كبيرة بشعره لا يذكرون لنا شيئا عن هذه النبوة كابن جني و أبي العلاء المعري، ونحن نعلم أن أبا العلاء كان قليل الاهتمام في أمور الدين حتى إنه لا يرى بأسا أن يشير إلى هذه النبوة، ولكنه لم يفعل. وقد عرض المستشرق (كراتشكوفسكي) لهذه الروايات، وهو يقول عنها إنها روايات ساذجة غير جديرة بالاطمئنان، ويقول إن ديوان المتنبي لا يشير إشارة إلى دعوى النبوة، وأن شرّاح الديوان لا يعتقدون بذلك، وأن الذين ترجموا للمتنبي لا يذكرون هذه الرواية على أنها رواية قاطعة، كما أن المتنبي أنكر بطرق ادعاءه النبوة، وأن ابن جني صديق المتنبي يذكر أنه إنما لقب بالمتنبي لقوله: أنا في أمة تداركها الله غريب كصـالح في ثمـود ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود ولكن يظهر أن سجنه قد طال، وبسبب من اضطهاده وإلحاق الجوع والمرض والاغتراب عليه، كتب إلى والي حمص قصيدة يستعطفه بها ومطلعها: أيا خدد الله ورد الخدود وقدَّ قدود الحسان القدود فهنَّ أسلن دمًا مقلتي وعذبن قلبي بطول الصدود وكم للهوى من فتى مدنف وكم للنوى من قتيل شهيد فواحسرتا ما أمـرَّ الفراق وأعلق نيرانه بالكبود إلى أن يصل قوله: أمالك رِقِّي ومن شأنه هبات اللجين وعتق العبيد دعوتك عند انقطاع الرجا ء والموت مني كحبل الوريد دعوتك لما براني البلاء وأوهن رجلي ثقل الحديد وقد كان مشيهما بالنعال وقد صار مشيهما في القيود وكنت من الناس في محفل وها أنا في محفل من قرود تعجل فيَّ وجـوب الحدود وحدّي قبل وجوب السجود وقيل عدوت عن العالمين بين ولادي وبين القعـود فما لـك تقبل زور الكلا م وقدر الشهادة قدر الشهود فلا تسمعن من الكاشحين ولا تعبأن بمحك اليهود وكن فارقًا بين دعوى أردت ودعوى فعلت بشأو بعيـد تلك الأبيات تدلنا على أن هناك أعداء كادوا للمتنبي فسجنوه، وأنه لم يفعل ما اتهموه به. وقد أثارت القصيدة عطف الوالي عليه، فأخرجه من السجن وأطلقه واستتابه فيما يظهر، ولكن استتابته مما نسبه إليه العامة، ولم يكن بعسير على المتنبي أن يعلن توبته، وقد رأيناه أنه لم يدع هذه النبوة، وكانت الفترة التي قضاها المتنبي بعد خروجه من السجن فترة تشرد وفاقة وضعة وخمول كان يتصل بالوجهاء وأصحاب المكانة يمدحهم فلا يجيزونه على الشعر، إلا أهون الجزاء. يقولون إنه مدح أحد الوجهاء بالقصيدة المشهورة التالية التي مطلعها: بأبي الشموس الجانحات غواربا اللابسات من الحرير جلاببا فجزاه عليها دينارا. ولم تحسن حاله حتى قصد أنطاكية ، واتصل هناك بالأمير أبي العشائر ومدحه بعدة قصائد كان أولها: أتراها لكثـرة العشاق تحسب الدمع خلقة في المآقي فقربه أبو العشائر وحسنت حاله عنده. كان أبو العشائر هذا قريبا لسيف الدولة علي بن حمدان رأس الدولة الحمدانية، فيسر له الوصول إليه، وكان ذلك سنة 337هـ. ودامت صحبة أبي الطيب للأمير ثمان سنوات، وخصص للشاعر ثلاثة آلاف دينار كل سنة عدا الهبات السخية والعطاء المتواصل من مال وثياب وخيول ومزارع، وخلد مقابل ذلك وقائعه مع الروم بقصائد قلَّ أن نجد لها نظيرا في الشعر العربي. ثم حدث ما عكر الصفو، فقصد الشاعر مصر.. فالمتنبي وإن كان قبل اتصاله بسيف الدولة مغمورا ثم تبلورت حياته تبلورا واضحا بعد اتصاله به، إلا أن نفسه كانت تضطرم بثورة أكَّالة، وهو لم يزل في عنفوان الشباب، فقد شرَّق وغرَّب. مكافحًا مناضلا، وعاش مع طموحه في صراع مرير يروي البديعي: كان أبو العشائر والي أنطاكية من قبل سيف الدولة، ولما قدم سيف الدولة أنطاكية قدم المتنبي إليه وأثنى عنده عليه وعرفه منزلته من الشعر والأدب واشترط على سيف الدولة أول اتصاله به أنه إذا أنشده مديحه لا ينشده إلا وهو قاعد وأنه لا يكلف تقبيل الأرض بين يديه. ودخل سيف الدولة تحت هذه الشروط وتطبع إلى ما يريد منه وذلك في سنة 337هـ وحسن موقعه عنده فقربه وأجازه الجوائز السنية ومالت نفسه إليه وأحبه فسلمه للرواض فعلموه الفروسية والطراد والمثاقفة نال أبو الطيب جاها وحظوة من لدن سيف الدولة، ولكن من أين للشاعر المتعالي المقيم على قلق، أن يهدأ أو بالأحرى أن تهدأ خواطر الذين قطع عليهم بشعره أرزاقهم، أو أقصى منزلتهم من الأمير الذي أجل شاعره في أكرم منزلة. لقد بدأت الوشايات والسعايات في بلاط سيف الدولة تعمل عملها، حتى لقيت في نفس الأمير أكثر من صدى، فتحول حماسه لشاعره إلى فتور، ولا نقول جفاء، خصوصا وأن وراء الوشايات والسعايات كبارا من أمثال أبي فراس الحمداني وابن خالويه والنامي وسواهم من رجال البلاط وعندها علت صيحات الشعراء وشكواهم من تعالي أبي الطيب عليهم، فأثر ذلك في سيف الدولة ثم قويت نفرته مع أبي الطيب، فأمر غلمانه بقتله، فتعرضوا له في الطريق، غير أنه استطاع تفريقهم عنه واختفى في حلب لدى بعض أصدقائه، وراسل الأمير فأنكر أنه أمر له بسوء، وبعد تسعة عشر يوما جاء إلى القصر، ورحب به سيف الدولة، وخلع عليه وسأله عن حاله، فأجاب: رأيت الموت عندك أحب إلي من الحياة عند غيرك. وكان أشياعه ينشرون مدائحه ويذيعون فضائله ويتأولون به، وأعداؤه يخنقون عليه ويغضون من شأنه. وفي ذات مرة قال أبو فراس شاعر البلاط الحمداني لابن عمه: (هذا المتشدق كثير الإدلال عليك. فأنت تعطيه ثلاثة آلاف دينار كل سنة على ثلاث قصائد ويمكنك أن تغدق مئتي دينار على عشرين شاعرا يأتون بما هو خير من شعره . (غير أن أبا الطيب فارق سيف الدولة حانقا متبرما فلعل وقوفه بين يدي كافوروهو من أعداء سيف الدولة يثير غيظه، أو لعله أراد به مصانعة كافور لينال منه الذي وفد عليه من أجله على أنه - وإن ترك معه ما جرت به عادته مع سيف الدولة - فقد اتخذ لعزته لونًا آخر، فقد كان يقف بين يديه وفي رجليه خفان وفي وسطه سيفه ومنطقته. أقام أبو الطيب في مصر أربع سنوات ونصف سنة وعرض في مدائحه لكافور بسيف الدولة ورضي أن ينشد شعره واقفا بين يديه على خلاف عادته، ولقي الشاعر من كرم كافورما جعله في مصاف الأغنياء. ولكنه ما لبث أن أسفر عن أطماعه الأولى، فطلب أن يتولى (ولاية) أو (إمارة) وألح في طلبه هذا وألحف، ومدح نفسه في مطلع القصائد التي مدح بها سيده الجديد. ولما رأى كافور يماطله ويؤجل تنفيذ رغبته، راح يشكو أمله ويمتدح سيف الدولة ويعلن أسفه على فراقه. ودبت النفرة بين الرجلين، وانقطع أبو الطيب عن مدحه ثمانية أشهر، ثم نظم قصيدة ظاهرها المدح وباطنها التأنيب. ثم أصيب بالحمى ونظم أثناء مرضه قصيدة عرض فيها بكافور وبخله. ولم يكن كافورأهلا لهذا الهجاء ربما منع الشاعر ولاية أو ضيعة ولكنه استحقه بما وعد ومطل، ثم أخلف فملأ نفس الشاعر الطموح غيظا. تناقل الناس القصيدة وبلغت كافورا فامتعض. وكانت بين كافور وفاتك الرومي منافسة عنيفة، وكان الثاني يقيم بالفيوم (وهي إقطاعة له) حتى لا يضطر الركوب في معية الأسود، واتصل فاتك بأبي الطيب وراسله، والتقيا في الصحراء، فكانت هديته للشاعر ألف دينار ذهبا أتبعها بعدة هدايا ثمينة، فمدحه بقصيدة وخز فيها كافورا وخزا مؤلمًا. أما كافورفقد كظم غيظه، وطلب من الشاعر أن يعود إلى سيرته الأولى في مدحه، فتجددت آماله، وحسب أن الوالي - أو كما يلقبه (أبو المسك) و(الأستاذ) سيبرّ بوعده في النهاية، ونظم قصيدة طويلة كرر فيها طلباته السابقة وملأها لوما وتوبيخا، فغضب أبو المسك ومنع الشاعر عن الرحيل وبث حوله العيون والأرصاد. ولما حل العيد وشغلت احتفالاته رجال الدولة هرب أبو الطيب ونظم قصيدته المشهورة هذه عند خروجه من مصر ، ومطلعها: عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمر منك تجديد وسار في درب غير مطروقة، وعلم كافور بالأمر، فكتب إلى عماله أن يقتفوا آثاره ويعتقلوه، لكنه استطاع الإفلات بعد رحلة مضنية حتى وصل الكوفة بعد ثلاثة أشهر.. هجا الشاعر كافورا وأفحش، وجاءت كل كلمة في قصائده شواظا من نار. وبقي في العراق ثلاث سنوات، ومر ببغداد عدة مرات، وأبى أن يمدح الوزير المهلبي، فأغرى به جماعة من شعراء العاصمة، أفرطوا في شتمه وتحقيره فلم يجبهم. علم سيف الدولة بخروج الشاعر من مصر مخاصما لكافور ، وبلغته قصائده في هجوه، فبعث إليه بالهدايا، وسأله القدوم إلى حلب ، فعاد إلى مدحه، ثم بعث إليه قصيدة يعزيه بوفاة أخته. وقصد بعد ذلك الوزير ابن العميد الأديب الشاعر، في فارس ومدحه. وسافر إلى عضد الدولة البويهي في مدينة شيراز ، فرحب به وأنزله أفضل منزل، ومدحه بست قصائد كافأه عليها بمال وافر، وخلع سنية. وبقي في شيراز مدة تقارب الثلاثة أشهر، رحل عنها مودعا مليكها بقصيدة كانت آخر قصيدة له، يقول: وقد رأيت الملوك قاطبة وسرت حتى رأيت مولاها تجمعت في فؤاده همم ملء فؤاد الزمان إحداها وسار حتى بلغ الأهواز. ثم نزل بواسط ، وهي تبعد عن بغداد نحو أربعين فرسخا. فلما كان بالقرب من النعمانية في موضع يقال له (الصافية) بالجانب الغربي من سواد العراق، خرج عليه فاتك بن أبي جهل الأسدي ومعه عدد من الفرسان، وقيل جماعة من بني ضبة تآمروا على قتله، لأن المتنبي كان قد هجا ضبة بن يزيد بن أخته، وتعرض لأمه وأفحش في هجوهما، فغاظ ذلك فاتكا، وتحين الفرص للفتك به فلما التقيا تقاتلا قتالا عنيفا. فقال له أحد غلمانه، لا يتحدث الناس عنك بالفرار، وأنت القائل: فالخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم فقال له المتنبي قتلتني قتلك الله، وقاتل حتى قتل هو وابنه محسَّد وغلامه مفلح. وكان ذلك في رمضان سنة 354هـ/ 965م وهو آنذاك في الواحدة والخمسين من عمره. هكذا انطفأت شعلة وضاءة، وانتهت حياة شاعر عبقري عظيم سجل اسمه في سجل الخالدين. (2) لعب المتنبي دورا كبيرا في الشعر العربي، فقد طرق أبواب الفنون الشعرية المعروفة، ولم يكن في وقته من يساويه في فنونه التي جمع فيها من الأدب فنونا وذلك أنه ضرب في كل شيء منها بسهم وافر. وكان يتخذ شعره صناعة، فلا يقوله ارتجالا ولا يندفع مع سجيته. وقد أجاد وأبدع في شعره سواء من ناحية الخيال والأسلوب. ويظهر أن ذكاءه الحاد ونفسيته العالية ساعداه كثيرا على التحليق في شعره بين كثير من الشعراء الذين عاصروه. ونتيجة رحلة شاقة في ديوانه وتتبع أخباره وجدت شعره يكاد يتصف بدقة وصف وصدق لهجة وبراعة تركيب وروعة معاني. فهو شاعر متقد العاطفة، مرهف الحس، تطالعنا في شعره صور مغرية جذابة تأخذ بمعاقد القلب. والمتنبي كان أبعد شعراء هذه الحقبة صيتا، ومع أنه كان جوابة يتنقل ما بين مصر و خراسان يمدح الملوك والأمراء والوزراء وينال رفدهم، فإنه يقول كاللائم لنفسه: إلى كم ذا التخلف والتواني وكم هذا التمادي في التمادي وشغل الناس في طلب المعالي ببيع الشعر في سوق الكساد ونستطيع أن نلمس من قراءتنا للديوان، تفوق أبي الطيب المتنبي في أغراض معينة هي: المدح والفخر والهجاء والحكمة والرثاء والوصف. و أبو الطيب كما يتضح لنا كثير المبالغة في شعره، فنحن نأخذها عليه من الناحية الأدبية، ولا نستدل بها على فساد عقيدته، فمن ذلك قوله في مدح محمد بن زريق. لو كان للنيران ضوء جبينه عبدت فصار العالمون مجوسا ومن ذلك قوله من قصيدة قالها في صباه: عمرك الله هل رأيت بدورًا طلعت في براقع وعقود راميات بأسهم ريشها الهد ب تشق القلوب قبل الجلود يترشفن من فمي رشفات هن فيه أحلى من العنقود والمتنبي فخور بشعره، لا يرى في الشعراء من يوازيه، وقد ساءه من سيف الدولة أن يساويه بغيره وهو الشاعر الكبير الذي يحب سيف الدولة حبا صادقا، فعاتبه على ذلك ودعاه إلى التمييز بين الشحم والورم، والنور والظلمة، وأن يقدر مكانه الرفيع بين الأدب والشعر. وما الدهر إلا من رواة قلائدي إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدَا ودع كل صوت غير صوتي فإنني أنا الطائر المحكي والآخر الصدى وربما كان المتنبي وحده الشاعر الذي حضر الحروب في هذه الحقبة، وحارب في جيش سيف الدولة، وذاق لذة النصر ومرارة الهزيمة، وقال أحسن الشعر العربي الذي قيل في وصف الحرب من قبل ومن بعد، ويكفيه أنه استطاع أن ينشد بمجلس سيف الدولة على رؤوس حساده: ومرهف سرت بين الجحفلين به حتى أتته يدٌ فرّاسة وفـم فالخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم صحبت في الفلوات الوحش منفردا حتى تعجب مني القور والأكم وما دمنا في الحديث عن فخره، فلا غرابة إذا ما ذكر قومه في مفاخره: ما بقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدودي وبهم فخر كل من نطق الضاد وعوذ الجاني وغوث الطريد ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود إن أكن معجبًا فعجب عجيب لم يجد فوق نفسه من مزيد يذهب الدكتور عبد الوهاب عزام إلى أن قصائد المتنبي في وصف حروب سيف الدولة الداخلية والخارجية تفوق الملاحم اليونانية واللاتينية والهندية والفارسية فهو الشاعر الذي وصف وقائع ذلك العصر وحوادثه الجسام وجلائل الحروب والأعمال وصفا دقيقا في قصائد حماسية رائعة. يقول المثل العربي المشهور "القتل بالسيف أوحى" أو "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك" حيث تدور رحى الحرب على السيف قديما، فهو سلاح ماض يفيد في ميادين الحرب منذ الجاهلية حتى الأمس القريب. يقول المتنبي: حتى رجعت وأقلامي قوائل لي المجد للسيف ليس المجد للقلم وقد قرر المتنبي للسيف أمثالا سوائر بقيت كالكواكب سطوعا ونصوعا على هامة الزمن: إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة فلا تستعدن الحسام اليمانيا وقوله: تحمي السيوف على أعدائه معه كأنهن بنوه أو عشائره وقوله: قد زرته وسيوف الهند مغمدة وقد نظرت إليه والسيوف دم وقوله: حقرت الردينيات حتى طرحتها وحتى كأن السيف للرمح شاتم ومن أروع قصائد الحرب قصيدتان الأولى بائية وهي التي وصف بها المتنبي ظفر سيف الدولة ببني كلاب، وذلك لدى خروجهم عليه سنة 343هـ كقوله: طلبتهم على الأمواه حتى تخوف أن تفتشه السحاب فبت لياليًا لا نوم فيها تخب بك المسوّمة العراب يهز الجيش حولك جانبيه كما نفضت جناحيها العقاب وتسأل عنهم الفلوات حتى أجابك بعضها وهم الجواب أما القصيدة الثانية الرائية التي سجل فيها انتصار الأمير المذكور على قبائل عقيل وقشير وبني العجلان وبني كلاب أيضا عندما تألبوا عليه وعاثوا في أطراف إمارته فسادا عام 344هـ وفيها تصوير صادق وتحليل مستفيض وصف فيها الشاعر عدم ركون البدو بطبيعتهم إلى الشغب وتألبهم على سيف الدولة ومحاولتهم الإخلال بنظام مملكته وانهزامهم أمامه في النهاية انهزاما شنيعا وإبقاءه عليهم حلما وكرما. فلزَّهم الطـراد إلى قتال أحدّ سلاحهم فيه الفـرار مضوا متسابقي الأعضاء فيه لأرؤسهم بأرجلهم عثار يشلهم بكل أقبّ نهدٍ لفارسه على الخيل الخيار وكل أحم يغسل جانباه على الكعبين منه دم ممار يغادر كل ملتفت إليه ولبَّته لثعلبــه وجــار إذا صرف النهار الضوء عنهم دجا ليلان ليل والغبار وإن جنح الظلام انجاب عنهم أضاء المشرفية والنهار وأخيرا.. فلا أحسب أنني استوفيت هذا "العالم" الرحب بحثا، فهو بحر متلاطم الأمواج لا زال شاغل الناس ومالئ الدنيا ومدد الشعراء وتنازع الباحثين على مدارج العصور. 000000000000000000000000000000000000000000000000 ((ذِكرَى المتَـنَبِي )) منذ ألف عام جندلَ فاتكٌ الأسدي في البادية العربية تحت جنح الظلام جبَّارًا عربيًا كان روحَ أمته وفكرتها الوثابة وصورتها البيانية وعلَم مجدها الأدبي، بل كان قلبها النابض ولسانها البليغ وصوتها الداوي، بل كان الوريد من جسمها والدماغ من رأسها. هو أبو الطيب المتنبي ولو درى ابن أبي جهل أن الرجل الذي هدَر دمه ليلاً كان الأمة العربية كلها عصرئذٍ لأَمسك عن قتله ضنًا بأمته أن تُردى. ولكن أنُّى لذلك السفَّاح أن يدرك ذلك وقد أعمت بصيرته دوافع الانتقام وصرفته أنانيته التي أصابها هجاء ضحيته عن كل رويَّة ونصح وعاقبة فاعتزم الفتك به ولو فتك بآمال شعبه الكبار وكأَنَّ فاتكًا أراد أن يطمس من الوجود ذلك المخلوق الغريب فصرعه وفي ظنه أنه طمسه هيكلاً وروحًا. ولكن فاته أنه لم يصرع غير هيكله الترابي ولم ينل شيئًا من اسمه الذي يرافق الدهر وروحه التي تواكب البشرية وشهرته التي تجوب الأقطار وأناشيده التي يرويها الزمن وأقواله التي تتناقلها الأجيال ومعجزاته البيانية التي ستظلُّ حية ما دامت الفكرة البشرية حية هناك في ذلك القفر الموحش تفجَّر دم المتنبي فتشرَّبته رماله العطشى. وهنا في العالم الجديد الذي كان يومئذٍ جنينًا في أحشاء الكونُ يُبعث الشاعر بعد ألف سنة ويناجي روحه نفرٌ با للغة نفسها التي سكب فيها عبقريته وبالمقاييس ذاتها التي التزمها بيانه إن القرون العشرة التي مرَّت على وفاة المتنبي هي كالثانية في عمر الكون. ولكنها في أعمارنا أمدٌ طويل تتطوَّر فيه الإنسانية مرارًا وتضمحلّ في أثنائه أُممٌ وتخلق أُمم، وتحيا شعوب وتندثر شعوب، وتفنى سلالات وتولد سلالات، وتبرز عوالم وتطمس عوالم، وتنخفض أجناس وترتفع أجناس، وتقوم ممالك وتهوي ممالك. وما كانت هذه التغايرات لتستطيع أن تمحو شيئًا من الأثر الخالد الذي أبقاه أبو الطيب المتنبي. وما كانت الأعاصير الاجتماعية والسياسية والدينية لتزحزح حجرًا من صرح أدبه المكين، بل كان كلُّ جيلٍ بل كل عام من هذه الحقبة الطويلة من الزمن عاملاً في تطبيب خمرته الأدبية. أو كأنَّ كل عام عدسية تُضاف إلى المجهر الذي يرى فيه أدبه، وكلما ازدادت العدسيات ازداد وضوحه وتألقه وانكشفت عوالم جديدة في عالمه الأدبي. وهذا شأن عباقرة البشر يفعل الزمن في تكبير صورهم وتضخم شهرتهم ما يقصر عنه الدعاة. وكلما تعاقبت عليهم القرون رفع الناس أقدارهم وبالغوا في حسناتهم وأغرقوا في تمجيدهم وحاكوا حول أسمائهم براقع الأساطير وقرَّبوهم من مواطن الكمال. فموسى وهوميروس وإسكندر وهنيبال وأفلاطون وأرسطو وفرجيل والمسيح ومحمد ودانتي والمعرِّي والمتنبي والخيَّام وشكسبير ونابليون وغيرهم لم ينالوا في أزمنتهم الشأن الذي نجعله لهم اليوم. وكم من النوابغ الذين اضطُّهدوا وحُقروا وصُودروا في حياتهم أصابوا بعد مماتهم من الرفعة والعظمة والاحترام بقدر تلك الضعة والحقارة والهزء. وهذا المتنبي عينه الذي قال في نفسه مفاخرًا إِنَّ كل بيتٍ يصدره يلتقطه الدهر لينشده ويرويه للأَجيال أكان يخطر في خلده أن مفاخرته التي أوردها تباهيًا على الأقران وزهوًا على الأضداد ستتحقق فيعنى الناس بكل شاردة وواردة من أقواله وبكل صريح وخفيِّ من معانيه ويتخذون من كلماتهِ الأمثال والاستشهاد والعبرة ويتغنون بأشعاره ثم يحشرون اسمه بين أسماء الموهوبين الذين تختارهم الطبيعة بين الألوف لا بل الملايين من البشر! لا يزال أدب المتنبي بكرًا على رغم كثرة شرَّاحه ونقَـَلة ديوانه فكأَن السنين الأَلف التي مرَّت عليه كانت حناطًا له حفظه من الفناء لكي يقيّض له من يفتح مغالقه ويجلو كنوزه. وقد عُني بعض أدبائنا في هذا العصر بنبش هذه الدفائن الثمينة واستخراج فرائدها فأصابوا شيئًا منها وما بقي موكل على مهرة الباحثين الأخصائيين بفنّ التحليل والسبر. ولهذا نقول إِن أدب المتنبي لمَّا يزل طريفًا حتى في العربية عَلَى رغم القرون العشرة التي طواها ومَن حلَّل شخصية هذا الشاعر بعض التحليل يجد تباينـًا في خلقها ثم شذوذًا يلازم النوابغ ويرسم منها صورةً ذات ألوان متعددة وأشكالٍ متناقضة ترينا المتنبي رجلاً شجاعًا كريمًا عالي الهمة بعيدًا عن الدنايا طموحًا إلى المعالي نَفورًا من مواطن الضيم يضنُّ بأدبه أن يُمسّ وبنبض كرامته أن يُجس ثم تُرينا رجلاً نهمًا في حبّ المال استخدم نبوغه وكرامته أحيانًا طمعًا به. ورأى فيه مرقاةً للمجد فقال: لا مجد في الدنيا لمن قلَّ ماله وكفى بقوله هذا دلالةً على أنه كان ينظر إلى الحياة من وجهتها العملية. ولعلَّ شغفه بجمع المال عائدٌ إلى صفة البخل التي اشتهر بها والبخل كان ولا يبرح من أكبر الدوافع إلى الشين والتمسكن والتصعلك لأَن همّ مَن ابتليَ به خزنُ المال وطلبه بأي الطرق ثم تُرينا رجلاً ذا نزعةٍ كريمة تنبو عن مراتع الخساسة والصغارة لا يبتذل نفسه في أعظم المواقف، وذا نفسٍ وثابة إلى الرفعة والسؤدد فكأَنه كان يشعر بنفسه أنه فوق الناس بمواهبه العقلية فنزع أولاً إلى النبوَّة توصلاً إلى السلطان الديني فلما أخفق سعى إلى السلطان الزمني ونشده على يد كافور والي مصر بمدائحه المشهورة. وأبت أنفته إِلا أن يشترط عَلَى سيف الدولة أن لا ينشده الشعر إِلا قعودًا ولا يقبِّل الأرض بين يديه شأن غيره من الشعراء الذين كانوا يقصدون ابن حمدان طلبًا لنواله ثم تُرينا رجلاً وفيًا حفيظًا للعهود لا يخفر ذمة صديق ولو أساء إليه. وهذا حادثه مع أبي العشائر مثالٌ عَلَى ذلك. قيل وقعت نفرة بين المتنبي وأبي العشائر بعد صداقة متينة فأوفد أبو العشائر بعض غلمانه ليوقعوا به فقابل أبو الطيب هذا الاعتداء بحلم وقال فيه أبياتًا تدلُّ على سعة صدر منها: فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا فأفعاله اللائي سررن ألوف ومات أبو العشائر فرثاه المتنبي بعدة قصائد تفجَّع فيها ما شاء بيانه ووفاؤه ثم تُرينا إنسانًا فخورًا كثير التيه والإعجاب يحسب نفسه أنه لم يخلق للعصر الذي نشأ فيه وأنهُ نسر الشعر وسائر الشعراء زرازيره لا سيما بعد أن طارت شهرته وذاعت قصائده حتى حداه زهوه إلى قول بيته المشهور: (وما الدهر إِلاَّ من رواة قصائدي - إذا قلتُ شعرًا أصبح الدهر منشدا) ثم تُرينا رجلاً مخفارًا للذمم كفورًا بالجميل سريع الانقلاب عَلى مكرميه والمنعمين عليه مداجيًا مصانعًا. هجر سيف الدولة بعد أن غمره بعطاياه وشنَّع بكافور بعد أن خلع عليه ورفَدَه. سخَّر نبوغه في مدائحه بأبي العشائر ثم بسيف الدولة ثم بكافور ثم بابن العميد ثم بعضد الدولة وقد حشاها تملقًا ومدامقةً وغلوَّا لا حدَّ له. ثم ابتذله في أهاجيه التي أطلق فيها لنفسه عنان الإغراق والتعسُّف مما يدلُّ على أنه كان يضمر في قلبه غيرَ ما يفصح بلسانه. فبعد أن قال في كافور الأسود أنه لو رآه سالم بن نوح لفضَّل نسل أخيه الأسود عَلَى نسله، و(يقلُّ له القيام على الرؤوس) و(عدوُّك مذموم بكلّ لسان) و(إِن في ثوبك الذي المجد فيه - لضياء يزري بكل ضياء إلى غير ذلك من الإشادة والإطناب والتفضيل التي جعله فيها فوق العالمين انقلب عليه لأنه لم يقطعهُ ولايةً وقلب ذلك المدح الجنوني هجاء لسَّاعًا فكأَنه كان يدسُّ له السخرية في الملَق فقال فيه: (ولولا فضول الناس جئتك مادحًا - بما كنتُ في سرّي به لك هاجيا) و(أسوَد مشفره نصفه يُقال له أنتَ بدرُ الدجى) و(مثلك يؤتى من بلادٍ بعيدةٍ - ليضحك ربَّات الحداد البواكيا)، إلى أمثال هذه الفضائح اللواذع والمطاعن القواذع. وفي ما قدَّمنا دليل عَلَى أنه لم يكن صادقًا في أقواله سواء أكانت مدحًا أم هجاءً لأَنه لم يرسلها لاعتقادٍ صادق بل لغاية ومطمع كان يقصدهما منها ثم ترينا رجلاً حكيمًا ذا فكرة نيّرة ورأي مختمر ومبدأ في الحياة فُطِر عليه كبار الرجال وأرباب السياسة والدهاء فكان ملمّا بأخلاق البشر وأطوارهم ومنازعهم بصيرًا بعقلية الحكام وأُولي الأمر خبيرًا بأهواء الخاصة والعامة ينظر إلى الناس نظر المرتاب المحاذر لا يطمئنُّ إليهم ولا يسكن إلى وعودهم. وهي خلةٌ في الرجال الذين يدوسون على الجثث توصلاً إلى مطالبهم ومطامعهم وهم وحدهم الذين يفوزون في هذا المعترك البشري الذي لا ينتصر فيه إِلا مَن طردت قلوبهم الرحمة والحنان وجوارحهم الشفقة والعطف. وبالجملة كان وهو الشاعر الحسَّاس امرءًا لا يصرفه الخيال اللامحسوس عن الواقع المحسوس. وأدرك أن الحياة إنما هي جهاد وعراك لا يفوز فيهما إلا المقدام العزوم الذي يرى الكون كما هو لا كما يتخيله أو يريد أن يكون. ومن تدبَّر أقواله وحكمه الرائعة الذاهبة مذهب الأمثال يتبين فيه شاعرًا غزير المادة قويّ العارضة وعى شيئًا من آداب الأمم ونال نصيبًا من المعارف والثقافة في عصره، فهو من هذه الوجهة يصلح أن يكون في كثير من أبياته شاعرًا عالميًا. ولا عبرة لما عُزي إليه من الانتحال بحجة إِلمامه بفلسفة الإغريق وتأثره بها. ولئن صحَّ هذا الزعم فحقه وفضله لا يُنكرن إذ لو أن روحه غير قادرة على هضم تلك الفلسفة لما استطاع أن يصوغها بقالبه العربي. عَلَى أننا إذا استقرينا كل الفلاسفة بدا لنا شيء كثير من المحاكاة في أفكارهم وذلك أن الفكرة ليس لها حدود ومناطق والحكمة لا تنتسب إلى وطن أو قوم دون غيرهم. وقضايا الكون الفلسفية هي هدف كل فكرة نيّرة ولوعة بكشف غوامضها واستجلاء أسرارها، فإذا أُتيح لبشريَّ موهوب أن يخرق بشعاع فكره الظلمات التي تغمرها ويستخرج منها حكمةً وهدًى فلا يتعذَّر على موهوب غيره يجيء بعده أن يرى ما رآه ويستخرج ما استخرجه. وهذا أمرٌ واقعي لا ينقض ولا يشاكس في حقيقته إذ كم بين الفلاسفة والشعراءِ والكتَّاب والمخترعين وسائر المفكرين من أتى بحكمة أو فكرة أو بدعة سُبق إليها ولم يكن زمانه قد أطلَّع عَلَى مثلها أو وقف على مبدأها. ونحن لو حللنا كل أفكار المتأخرين تحليلاً دقيقًا لوجدناها في أقوال المتقدمين معنى ومبدأ وإن اختلفت مبنى وأسلوبًا. وإِن ما ندعوه إِبداعًا ليس في الحقيقة إِلا تقليدًا اختلف هيكله واتفق جوهره. أما الإِبداع الحقيقي فما هو إِلا انبثاق و حيٍ ووميض إِلهام قد تمرّ العقود من السنين بل القرون دون أن يظفر بهما الفكر البشري. وإننا لنجد عند أشدّ الشعوب بد اوةً وتوغلاً في الهمجية أمثالاً وحكَمًا تشابه بمعناها أمثال سواها من الشعوب المتحضرة التي توافرت لها أسباب الثقافة. وعندنا أن فلسفة الكائنات وأسراها هي لحنٌ أبديّ يردُّده الوجود وصالاً ولا يسمعه إلا الموهوبون الذين رُزقوا قوةً في سمعهم لم تُرزق غيرهم فالفرق بينهم وبين سائر إخوانهم البشر كالفرق بين حديد السمع والأصمّ. وهذه الاختراعات الكبرى التي نتمتع بمنافعها من يستطيع أن يجزم أنها لم تراود أفكار الكثيرين قبل ظهورها عمليًا وامتنع عليهم إِخراجها من أحشاء الخيال إلى عالم الحسّ والتجربة إِما لافتقارهم إلى الوسائل أو لجهلهم كيفية إِبرازها. ولو أردنا أن نطبق هذا المبـدأ على كل قولٍ أو عملٍ لما خلص من وصمة الانتحال والتقليد هذا بعض ما تبيناه في شخصية المتنبي ولا شأن لنا فيه عندما نبحث في أدبه لأَن المتنبي في نظرنا ليس ذلك المدَّاح المتملّق والطمَّاع المتقلّب بل ذلك الفنان الذي يسحر العقول بصوَر معانيه ويفتن الأذهان بقوالب مبانيه. ولولا أدبه المعجز لما استدرجنا إلى درس شخصيته التي لا يجوز أن نجعلها المحور الذي يدور عليه أدبه فهذا كيان مستقلّ عن كيانه الهيولي. ولو حاولنا أن نقيس كل قول بمقياس شخصية قائله لما احتفظنا من هذا الذي نسميه أدبًا إلا بالنزر اليسير وقد يكون أتفه أنواعه فأبو نواس على تبذُّله وانحطاط أخلاقه ما برح أديبًا مبدعًا حتى في شعره الفاجر على أننا كيفما تفقدنا أدب المتنبي ننتهي إلى نتيجة واحدة هي أن الرجل كان موهوبًا كبيرًا وإن ما نطق به سيجتاز ألف سنة أخرى بل ألوفًا ويظلُّ طريفًا رائعًا تستسيغه الأفهام وتقبله العقول وتتحدَّاه الشعراء ويستشهد به الناس وينهل من معينه روَّاد الجمال والحكمة والأدب الحي الذي يعايش الأبدية يحملنا الإنصاف عَلَى أن نعدّ حفلة العصبة الأندلسية من أكمل الحفلات التي أحياها قومنا منذ هبوطهم هذا القطر حتى اليوم إِن لم نقل أكملها وأروعها وأفخمها. فقد توافرت فيها كلُّ أسباب التفوُّق: ذكرى شاعرٍ كبير تفخر أرقى الأمم بنسبه إليها، ودعوة مؤسسة أدبية عُرفت بتجرُّدها في خدمة الأدب الصحيح، وإعداد نفر من أعلام أدبائنا للجولان في مضمارها. ولا بدع بعد اجتماع هذه العوامل الثلاثة أن يقبل مواطنونا على هذا المهرجان الأدبي إقبالاً جاوز كلَّ تخمين وتجلَّى بمظهر لم نعهده من قبل في حياتنا الاجتماعية فقد بدأوا يتواردون عَلَى المكان قبل الموعد بساعة وكفى بهذه الظاهرة دليلاً عَلَى اندفاعهم الحقيقي كانت الحفلة مصهرًا صهرَ كل الآراء والمنازع في بوتقة واحدة هي بوتقة الأَدب وصيغ منها فكرٌ واحد شعاره ما تهدمه السياسة يبنيه الأدب. أجل وباسم هذا الأدب دعت العصبة الأندلسية قومها إلى إِحياء ذكرى نابغة من نوابغه وباسمه هرعوا يحدوهم التخشع إلى الهيكل المعدّ لتكريم أحد أبنائه. وحسب العصبة فضلاً أنها لحمت بالأَدب ما فككته السياسة وعززت مقام دولته التي لا يدركها الهرم ولا تتغلَّب عليها عاديات الزمن فقد تُّدك الممالك وتهوي العروش أما مملكة الأدب وعرشه فراسخان لا يقوى عليهما عامل الفناء رُوعي مساق الحفـلة بكل تدقيق فما وصل عقرب الساعة إلى الرقم التاسع حتى بدأ الجوق الموسيقي الكبير الذي استخصته العصبة بعزف قطعته الأولى في أسواق شيراز التي لقيت من الحضور كل إصغاء وارتياح. وقف بعدها نائب رئيس العصبة الشاعر رشيد سليم خوري المعروف بالشاعر القروي فأعلن افتتاح الحفلة بكلمة حيَّا فيها الجمهور مرحبًا شاكرًا له إقباله على دعوة العصبة الأندلسية ذاكرًا الموانع القاهرة التي حالت دون قدوم رئيسها الشاعر ميشال بك معلوف من العاصمة. وقد كان لتغيُّب الرئيس أثر كبير في نفوس إخوان العصبة لأَنهم كانوا يتوقعون قدومه لافتتاح أولى حفلاتها، وكأَنَّ حِكم المتنبي التي يستشهد بها في معظم المواقف أَبت الأقدار إِلا أن تذكر واحدة منها في هذه الحفلة، فردّد قوله المشهور: ( ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه - تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ) وهكذا جرت رياح المعاكسات بغير ما اشتهت سفُن آمالهم. أما الكلمة التي كان في نيَّة الرئيس أن يفتتح بها الحفلة فقد بعث بها لتلقى بالنيابة عنه ولكنها وصلت متأخرة وهي منشورة في مكان آخر (ليالي الشرق) - قطعة أخرى موسيقية نصتَ لها الجمع بكليته فذكرته بتلك الليالي الصافية المقمرة في الشرق. وقف بعدها القروي فقدَّم الخطيب جورج حسون معلوف الذي ألقى بفصاحته المعهودة خطبة بليغة عرَّف فيها المتنبي تعريفًا مسهبًا دقيقًا فألمَّ بحياته وأشهر مواقفه واستشهد بأروع أبياته مبديًا نظراته في كل ذلك فجاءت خطبته كنايةً عن محاضرة قيّمة وقف منها سامعوه على أشياء كثيرة لا يعرفها إلا المتعمقون في درس المتنبي. وكانت تمهيدًا لأَقوال الشعراء والخطباء بعده (آلام وآمال) - بعد أن عزفت الموسيقى هذه القطعة الشجيَّة جاء دور الشاعر شفيق معلوف فاشرأبت الأعناق وأنصتت الأسماع فوقف وألقى بمنطقه الفصيح ولهجته الفخمة قصيدة أقلّ ما يُقال فيها إِنها فلذة من كبد شعر أبي الطيّب ووثبة من وثباته وإِن شئت قل معتَّقة من الدنَّ المعلوفي المشهور أسكَر بها النفوس واسترقَّ الأفهام (ذكرى الحمراء) - أعادت الموسيقى بهذه النغمة إلى مخيلاتنا ذكرى الحمراء السحرية فكان الطرب ممزوجًا بآلام الذكريات. وما أن سكتت حتى وقف الشاعر عقل الجرّ الذي قدم توَّا من العاصمة ليلقي قصيدته فبادَهَ الحضور ببيانه العالي وديباجته الرائعة فملك عليهم مشاعرهم حتى خيّل إليهم أنهم في عصر أبي تمَّام ولا غرو فعقل يعرف كيف ينتخب القوالب البديعة للمعاني الرفيعة (سَحَرية عربية) - مثلَّت لنا هذه الدورة الموسيقية صورة من الغزَل والصبابة في سكينة البيداء عند يقظة الفجر فتمثَّل السامعون الموصلي ينشد سحرًا. وقف بعدها الشاعر نصر سمعان ومن أحرى من نصر بأن ينشد رقيق الشعر بعد تلك السحرية فكان بإلقائه كأنه الهزار يستقبل طلوع الغزالة. ولقد أسمعنا بقصيدته ألحانًا مزج فيها تصوُّراته الدقيقة بمبانيه الرشيقة فأطابَ وأبدع (ليت لي) - أسمعتنا الموسيقى هذه القطعة التي وضعها مدير الجوق فأجاد وضعًا وتوقيعًا. وقف على أثرها الشاعر فرحات الذي تجشَّم مشقة السفر من ولاية بارانا البعيدة لكي يشترك مع إخوانه بحفلتهم الكبرى فطفق يتدفق بأبياته ويجري فيها جري الشاعر الواثق بنفسه الساكب في كل حرف من حروفها أنفاس روحه. وقد ترنح لها الجمهور طويلاً ولا عجب أن يأتينا فرحات بالروائع والشاعرية فيه سليقة (أهازيج) - بعد هذه القطعة الموسيقية التي أطربت سامعيها نهض الخطيب توفيق قربان فجال جولاته المعروفة وألقى خبرًا من كل فنّ وأورد بعض الأمثلة من محاسن المتنبي وتفوُّقها عَلَى ما يماثلها من أدب الإفرنج لم يستكثرها الجمهور عليه فقد اشتهر قربان بغزارة مادته وسعة اطلاعه وكثرة جلده على البحث والتنقيب (عَلَى ضفاف النيل) - بهذه القطعة الأخيرة شفت الموسيقى الآذان صرفت الخواطر إلى مشهد النيل الخلاَّب. وما كادت تنتهي حتى وقف الشاعر القروي فألقى ببيانه الفصيح قصيدة تغلغلت فيها المعاني تغلغل الأحلام في الكرى. والقروي من أقدر الشعراء على تصوير المعاني بدقةٍ لا تعرف نهاية. وليست قصيدته من المنظومات التي يتشبَّع منها سامعها كما يتملاها قارئها لأَن السامعَ لا يستطيع أن يلمَّ بدقائق المعاني إِلمام القارئ بين كل الحفلات التي شهدناها لم نرَ جمعًا كان كله آذانًا مصغية وأفهامًا واعية كالذي حضر حفلة المتنبي فقد كانت مسامعه مرهفة لالتقاط كل نبرة من نبرات المتكلمين وليس بعد هذا من دليل أكبر على شدَّة اهتمامه وضنه بأَلا تفوته شاردة أو واردة من أقوالهم كانت قصيدة الشاعر القروي خاتمة المساق فلما انتهى انفرط عقد الحضور وكلٌ معجب مثنٍ عَلَى العصبة الأندلسية لقيامها بهذا المهرجان الأدبي النادر. وقبل أن نختم كلمتنا لا نجد بدَّا من القول أن العصبة الأندلسية لا تساهم أعضاءها الرأي والفكر في ما يخرج عن غايتها ومبدأها الصريح الذي تنصُّ عليه الفقرة الثالثة من المادة الثالثة في قانونها وهي: لا تحمل العصبة تبعة أحد من أعضائها إذا هو شذَّ عن غايتها أو جرى في شؤونه الخاصة بما يناقضها. وهكذا نقول عن خطة هذه المجلة التي تتبع مبدأ العصبة الأندلسية وقد شاء بعض أفاضل نزالتنا في هذه الجمهورية أن يحيُّوا العصبة لقيامها بهذا الاحتفال الرائع فأرسلوا إليها برقيات ضمنوها إعجابهم واشتراكهم فيه هذا وصف إِجمالي لحفلة المتنبي التي كانت فتحًا مبينًا في حياتنا الأدبية في هذا المهجر 00000000000000000000000000000000000000000000000000 00000000 (( نظَـرَاتٌ في المتنبّي )) بقلم((جورج حسون)) هو أبو الطيَّب أحمد بن الحسين الكندي شاعر العربية الأكبر وعلَمها العالي وبدرها الأغرّ وحكيمها الذي تدفقت الحكمة من جنانه وجرت آياتها البينات عَلَى لسانه مجمَّلة بروعة بيانه حمل علَم الشعر فيها عَلى علم من البيان وأَطلَّ من شاهق يلوح به عَلى العصور السابقة فيحيل له نورها وتُخسف أمامه بدورها. وما كانت محاكُّ النقَّاد إلا لتزيده صقلاً ورواءً، ومغامز الحسَّاد إلا لتزيده مجدًا وعلاءً. وما كانت مئات السنين إِلا لتعليه منارًا وتزيده اشتهارًا أنشد الشعر منذ ألف سنة وما زال صدى إِنشاده يتردد في آذان الدهور فيسمعها الحكَم الرائعة والعظات البالغة تارةً كسجع العندليب وطورًا كهزيم الرعد وآنًا كهينمة النسيم وآونة كزئير الأسد وحينًا كخرير الباكي وآخر كدمدمة الخضمّ الهائج وقد مرَّت عَلَى العربية عصور ظلمة كان شعر المتنبي يتوقَّل شعاف جبالها الدكناء حتى يطلَّ من عَلَى قممها ساطعًا متألقًا هاديًا ومرَّت عليها عصور نور كان المتنبي فيها جنَّتها الغناء وكوثرها العذب وهزارها الصدَّاح وبلبلها الغرّيد ومرَّت عليها عصور حروب كان المتنبي فيها النافخ في الصُّور وباعث الإقدام في الصدور ثم جاءَت أيام المحنة والبؤس، شديدة الوطأة ثقيلة الخطى، حالكة الليالي مديدتها، صاخبة الأنهر. فلما يزل المتنبي مرشدًا الفتيان بحكَمه الرائعة ومذكيًا في الرجال الشجاعة والعزيمة بأَهازيجه الناريَّة ومعزّيًا الكهول بعظاته البالغة التي لم تخلق السنون جدتها مرَّت عَلَى شعر المتنبي من الزمان حالات شتى وحاله واحد في كل حال مرَّت عليه عصور ظهرت فيها شعوب وبادت شعوب وغاصت مدنيات وطفَت مدنيات ونقضت علوم وشدت أُخرى وهو يرافقها كالفلك السيَّار ويتغلغل في أحشائها كالماء وله في كل حادث قول وفي كل كارثة عظة هو متنبي العربية كان ملء سمعها ونظرها ولما يزل، وسيبقى ما دامت العربية لغة ينطق بها أبناؤها سواء أَتسعت معارفهم أو ضاقت وعلا قدرهم أو انحط وقويت شوكتهم أو خضدت والتأم شملهم أو تشتّت وسادة كانوا أو عبيدًا هو متنبّيهم. يتغنون بغزله ويتعظون بحكمهِ ويفخرون بمديحه ويهجون بهجائه ويتهكمون بلواذعه ويتأَسّون بمعزياته هو متنبي مصر والعراق والشام وكل بلد كان لأَلسنة بنيه حظٌ من العربية. وها إِحدى فسائل العربية النابتة وراء البحار، تحمل في قلبها المتنبي وتقيم في بلاد الأعاجم مهرجان ذكرى وعظة وإكرام لشاعر العربية الخالد علَّ ما قيل فيه من الشعر وما تلي من سور الإكرام يعبق بخورًا ذكي العرف يرتفع دخانه إلى طبقات الأثير العليا وينعقد صلوات حارَّة تدخل هيكل الوحي ومرقد شعراء الخلود فيتململ رفات المتنبي المسجي تحت ألف سنة من المجد ويعلم أن العربية هي العروة الوحيدة التي تربط هذا الشعب الذي ذرَّته الأقدار في الجهات الأربع وسفته كما تسفي الزوبعة رمال الصحراء فتعدَّدت ميوله واختلفت نزعاته وتفرَّعت مشاربه وتباينت أهواؤه ليت شعري أَيبقى بعد ألف سنة أخرى من الناطقين بالضاد مَن يقيم للمتنبي مثل هذا المهرجان أَم تصبح العربية إذ ذاك لغة طوت صفحتها يد الدهر وحجبتها في أحشاء الفنـاء ظلماتٌ متلبدة طبقات طبقات لا تخترقها لا العين ولا الفكر؟ وُلد المتنبي بالكوفة في محـلة يقال لها كِندة وتخرَّج عَلَى أكابر العلماء في عصره كأبي بكر محمد بن دُريد وأبي عليّ الفارسي والزجَّاج وابن السرَّاج وأبي حسن الأخفش فاقتبس علومهم اللغوية حتى فاق أهل عصره علمًا وأدبًا ووعى من مفردات العربية وتعابيرها ومنقولها ومصطلحاتها واشتقاقاتها وأمثالها من بادٍ وحاضرٍ ما عجز عنه علماؤها مجتمعين فكان له من ذلك حللٌ لفظية بهيَّة كسا بها عذارى أفكاره وأطلقها بين الناطقين بالضاد فتَّانة خلاَّبة ساحرة لا تُرام ولا تُنال وقد أدخله نقدة الشعر في معترك المفاضلة والترجيح مع كبار الشعراء وفيهم أبو تمَّام والبحتري فأَقرّه أوسع النقّاد علمًا وأطولهم باعًا وأقرعهم قدمًا أنه أكبر ملوك الشعر بلا منازع وأجلسوه من القريض عَلَى أريكته السامية ووضعوا في يمينه صولجان الخلود الذي ما زال الشعراء يمسُّونه كلما عبست في وجوههم ربة الشعر وأجفلت من أمامهم عرائس الخيال وانفرطت في أذهانهم عقود القوافي فيستمدُّون الوحي من معانيه والرونق من قوافيه كان أبو الطيّب صُلب العود المراس في خلقه كُبارة وأنفة وفي طبعه نزق اشترك والدهر عَلَى تلطيفه ولكن ثورانه أحيانًا كان يهدم من مجده ما بنـاه وكان ما تبقى منه مما لم يتمكن من كبح جماحه عاملاً للقضاء عليه بعد أن سكن ما بينه وبين الدهر وكاد يبسم له وجهه العبوس، فضرب بعرض الحائط حكمته المأثورة: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أولٌ وهي المحل الثاني _________________________ وقال لناصحه أبي نصر الجملي. أبنجو الطير تخيفني ومن عبيد العصا تخاف عليَّ؟ وهكذا هوى النجم متألق من البيان في كبد السماء ويبست تلك الشجرة وهي في إبان جناها وكانت ضربة فاتك بن أبي جهل أقتل ضربة في سويداء العربية. ولو أمدّ الله في عمر المتنبي من السنين عشرًا أُخرى لكان غنم العربية منه أجزل خمسين ضعفًا وُلد أبو الطيّب في بيت وضيع وجاءَ أن أباه كان سقاءً ولما شبّ أخذ ينقد نفسه كما ينقد الجوهري الحجر الكريم فوضعها في كفة من ميزان ذكائه وعلمه ووضع في الكفة الأخرى من عرفهم من ملوك وأُمراء وعلماء وشعراء فرآها ترجح عليهم جميعًا وأنس في خلقه الأقدام وفي قلبه الشجاعة وفي عزيمته المضاء فرأى أنها تنسج عَلَى ضعة مولده درعًا تتكسر عليه سهام الدهر كان عصره عصر أدبٍ وثقافة ما عرفت العربية قبله عصرًا داناه بازدهار الأدب وعلوّ شأنه وقد نضجت فيه العلوم من طب وتاريخ وجغرافية وفلسفة وكان الأدب أجمل ما تتحلى به ملوكه ويباهي به أمراؤه ووزراؤه فمن ملوك العروش والأدب في ذلك العصر كان سيف الدولة ابن حمدان العدوي وجاءَ في وفيات الأعيان لابن خلكان أنه كان شاعرًا مجيدًا محبًا لجيَّد الشعر شديد الاهتزاز له. ومن شعره في جارية كانت له من بنات ملوك الروم وكان شديد المحبة لها حتى خاف من بقية الجواري عليها أن يقتلنها حسدًا فنقلها إلى مكان آخر احتياطًا وأنشد: راقبتني العيون فيكِ فأشفقـ _________________________ ـت ولم أخلُ من إشفاقِ _________________________ ورأيتُ العدوّ يحسدني فيـ _________________________ ـكِ مجدًا بأنفس الأعلاقِ _________________________ فتمنَّيتُ أن تكوني بعيدًا _________________________ والذي بيننا من الحب باقِ _________________________ ربَّ هجرٍ يكون من خوف هجر _________________________ وفراقٍ يكون خوف فراقِ _________________________ ومنهم عضد الدولة بن بويه الديلمي وقيل إنه أول من خوطب بالملك في الإسلام وأول من خُطب له عَلَى المنابر ببغداد بعد الخليفة وكان شاعرًا مجيدًا محبًا للفضلاء مشاركًا في عدَّة فنون ومنهم ابن العميد، وجاءَ لابن خلكان أنه كان متوسعًا في علوم الفلسفة والنجوم أما الترسُل والأدب فلم يقاربه فيهما أحد في زمانه وكان يُسمى الجاحظ الثاني، وقال الثعلبي في كتاب اليتيمة: كان يُقال بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتمت بابن العميد وكان من ذلك العصر أبو فراس الحمداني والسري الرفاء والنامي والببغاء والوأواء وابن نباتة السعدي وابن هانئ الأندلسي وغيرهم. وكان ذلك العصر أيضًا عصر دعاوي ومغامرات ومضاء عزيمة وإقدام وكانت الشكوك تنهش الضمائر والعلوم تنزع الغشاية عن العيون وأخصها الطبّ وعلم النجوم وعلوم الأرقام. وكانت الزندقة والكفر والسفسطة والإيمان تعدو جنبًا إلى جنب كأفراس الرهان فسوَّلت لأبي الطيب نفسه أن يستغلّ تلك الحالة الفكرية القلقة وفوضى الشك المادّة رواقها وكانت الزيدية التي أثّرت عليه في صباه وبعدها مذهب القرامطة قد فتّـا في عقيدته وغيّـرا عقليته ورأى أن الطبيعة حبتهُ من القوى المعنوية بسخاءٍ وإفراط وسلحته بالعدَّة الكافية لنيل العلى، من ذكاء خارق وعزيمة دونها السيف مضاءً وطموح تضيق به الدنيا فهنا أمير حاز الإمارة بشجاعته وإقدامه وهناك وزير نال الوزارة بأدبه وثقافته وهنالك زنجيٌّ خصي استولى عَلَى الملك بدهائهِ ومكره فوثب وثبته الكبرى وأراد أن يقبض عَلَى الثريا بيديه وادعى النبوّة وهو يردد حينًا تلك الاختلاجة التي قالها فيما بعد شعرًا: إذا غامرتَ في شرف مروم _________________________ فلا تقنع بما دون النجومِ _________________________ فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ _________________________ كطعم الموت في أمرٍ عظيمِ _________________________ جاءَ في الصبح المنبي عن حياة المتنبي للبديعي. قال أبو عبد الله معاذ بن إسمعيل: قَدِمَ أبو الطيب المتنبي اللاذقية سنة نيف وعشرين وثلاث مئة وهو فتىً، فأكرمته وعظمته لما رأَيتُ من فصاحته وحسن سمعته، فلما تمكن الأنس بيني وبينه وخلوت معه في المنزل اغتنامًا لمشاهدته واقتباسًا من أدبه قلتُ والله إنك لرجلٌ خطير تصلُح لمنادمة ملك كبير. فقال ويحك أتدري ما تقول. أنا نبيٌّ مرسل. فظننتُ أنه يمزح. ثم تذكرت أني لم أسمع منه كلمة هزل قطُّ منذ عرفته. فقلتُ له ما تقول. فقال أنا نبيّ مُرسل كما ذكرت. فقلت مُرسل إلى مَن؟ فقال إلى هذه الأمة الضالة المُضلة. قلت ماذا تفعل. قال أملأ الدنيا عدلا كما مُلئت جورًا. قلتُ بماذا. قال بإدرار الأرزاق والثواب العاجل والآجل لمن أطاع وأتى، وضربِ الأعناقِ لمن عصى وأبى. فقلتُ له إِن هذا الأمر عظيمٌ أخاف عليك منه أن يظهر، وعذلته عَلَى ذلك فأَنشد يقول: أبا عبد الإِلاه معاذُ إِني _________________________ خفيٌّ عنك في الهيجا مقامي _________________________ ذكرتُ جسيم ما طلبي وأنَّا _________________________ نخاطرُ فيه بالمهج الجسامِ _________________________ أمثلي تأخذ النكبات منهُ _________________________ ويجزعُ من ملاقاة الحمام _________________________ ولو برز الزمان إلي شخصًا _________________________ لخضَّب شعر مفرقه حسامي _________________________ وما بلغت مشيئتها الليالي _________________________ ولا سارت وفي يدها زمامي _________________________ إذا امتلأَت عيون الخيل مني _________________________ فويلٌ في التيقظ والمنام _________________________ وما لبث أمره أن فشا فخرج إليه لؤلوءٌ أمير حمص واعتقله. فلما طال اعتقاله في الحبس كتب إلى الوالي مستعطفًا تائبًا: بيدي أيها الأمير الأريبُ _________________________ لا لأمر إلا لأني غريبُ _________________________ أو لأمٍ لها إذا ذكرتني _________________________ دم قلبٍ بدمع عين يذوبُ _________________________ إن أكن قبل أن رأيتك أخطأ _________________________ تُ فإني عَلَى يديك أتوبُ _________________________ عائب عابني لديك ومنهُ _________________________ خُلقت في ذوي العيوب العيوبُ وعندي أن أبا الطيب لو لم يعاجله لؤلؤ ويخنق نبوءَته في المهد لكان لها شأن كبير ولكان أتباعها لا يقلُّون عن أتباع المسيحية أو المحمدية أو البوذية أو الكنفوشية تقلّب المتنبي في حالات شتى ففاخر ومدح وهنأَ ورثى وعاتب واستبطأَ وهجا وتهكّم ووصف وقد أَغدق عَلَى ممدوحيه ديمًا هتانة من خياله الواسع وبيانه الفتَّان وخلع عليهم من المكرمات حلـلاً كثيرًا ما كانت فضفاضة حتى خيل إلى الكثيرين أنه كان تاجر شعر حانوته مملوء بسلع البيان يعطي الطالبين منها عَلَى قدر ما يدفعونه من المال بحيث تتفاوت تلك الحلل بتفاوت الأثمان وتتساوى بمساواتها فأَلبس الملوك ثوبًا من المجد كان قد ألبس مثله الملك الغازي وضفر لرأس الرعديد إِكليلاً من الشجاعة كان قد وضع مثله عَلَى مفرق الشجاع وأسال كفّ الشحيح ديمًا من الجود كان قد أهطل مثلها كف الجوَّاد وعندي أن ذلك وهمٌ تسلط عَلَى النزر القليل من الخاصة وانتشر بين العامة حتى أحلوه محل الحقائق الراهنة وهو ولئن أيدته الظواهر تدحضه عند البحث براهين ناصعة تتجلى لمن تعمَّق في درس شخصية المتنبي وأدركَ كنه خلقه الكامن في كل ما نظمه. تلك الشخصية التي ما تغيَّرت قط وذلك الجوهر الذي ما اعتراه قط تحوُّل فالمتنبي ما كان إِلا طموحًا ذا آمال ما عرفت حدًا. أراد أن ينصف نفسه وينيلها ما هي له أهل من المراكز السامية فأَفنى عمره سعيًا وراء هذه الأمنية وسخَّر لنيلها كل ما أُوتيه من ذكاء وأدب وبيان وإِقدام وحزم وما عفا من تلك الصفات إلاَ عما عجز عن تذليـله وهي شممه وإباؤه واعتداده بنفسه وكبرياؤه وترفعه فوضعها ضمنًا فوق ممدوحه مهما علا قدره أتاجر أدبٍ من يعزّي ملكًا بقوله: لا يحزن الله الأمير فإنني _________________________ لآخذ من حالاته بنصيب _________________________ كأنه يقول: تعزَّ أيها الأمير عَلَى فَقد من فقدته لأن الخطب الذي أصابك كان عظيمًا حتى شعرنا به وشاطرناك إِياه وإن لك من أخذنا بنصيب من حزنك ما يعزّيك عَلَى مصابك ولك من الاهتمام بتعزيتنا ما يلهيك عن الحزن عَلَى مفقود مهما علَت منزلته في قلبك وكبر شأنه في دولتك أتاجر شعر من يخاطب أعظم ممدوحيه شأنًا وأعلاهم قدرًا بقوله: يا أعدل الناس إلاَّ في معاملتي _________________________ فيك الخصام وأنت الخصم والحكم _________________________ أعيذها نظرات منك صادقة _________________________ أن تحسب الشحم مَن في لحمه ورم _________________________ وما انتفاع أخي الدنيا بناظره _________________________ إذا استوت عنده الأنوار والظَلم _________________________ سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا _________________________ بأنني خير من تسعى به قدم _________________________ إلى أن يقول: إذا رأيت نيوب الليث بارزة _________________________ فلا تظنن أن الليث يبتسمُ _________________________ كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم _________________________ ويكره الله ما تأتون والكرم _________________________ ما أبعد العيب والنقصان من شرفي _________________________ أنا الثريا وذان الشيب والهرم _________________________ أتاجر شعر من يشترط عَلَى ذلك الملك، قبل أن يقول فيه بيتًا من الشعر، أن لا ينشده إِلا وهو جالس ولا يكلف تقبيل الأرض بين يديه فيدخل الملك تحت اشتراطه ومن شأن التجار أن يحسنوا استقبال طالبي سلَعهم ويخفضوا لهم الجناح ويُعدوا لهم المجالس اللائقة ويغرقوا في ترغيبهم بتلك السلع ليقبلوا عليها، وما رأيت قط طالب بضاعة يأخذ بيد بائعها ويبرّ به ويستعطفه ويلحُّ عليه ببيعها منه إلحاحًا دون طلب الهبة وقد روي أن الشريف أبا القاسم طاهرًا العلوي رجا أن يمدحه المتنبي وبعث إليه في ذلك فأَبى، فأَحال عليه الأمير أبا محمد طغج. وكان قد وفد عليه المتنبي فألحَّ عليه الأمير وهو لا يزداد إلا إباءً. ويقول ما قصدتُ غير الأمير ولا أمدح سواه. فقال له أبو محمد إذن فانظم قصيدة في مدحي ثم اجعلها له. فقبل بعد صعوبة. قال محمد بن القاسم الصوفي. فسرتُ أنا والمطلبي برسالة طاهر إلى أبي الطيب فركب معنا حتى دخلنا وعنده جماعة من الأشراف. فلما أقبل أبو الطيب نزل طاهر عن سريره والتقاه مسلمًا عليه ثم أخذه بيده فأجلسه في المرتبة التي كان فيها وجلس هو بين يديه. وتحدَّث معه طويلاً ثم أنشده أبو الطيب فخلع عليه للوقت خلعًا نفيسة. قال أبو القاسم الكاتب: كنتُ حاضرًا هذا المجلس فما رأيت ولا سمعت أن شاعرًا جلس الممدوح بين يديه مستمعًا لمدحه غير أبي الطيب أتاجر مدح من يعرض عن مدح اليهودي التدميري بن ملك ويقول لكافور الإخشيدي وقد أرسل يستقدمه إليه: لا أقصد العبد، وإن دخلت مصر فما قصدي إلا ابن سيده. حتى إذا بلغ كافورًا وصول المتنبي الرملة يقول لأصحابه: أترونه يبلغ الرملة ولا يأتينا؟ أتاجر شعر من يعرض عن مدح الصاحب بن عبَّاد وقد عرض عليه أن يقاسمه نصف ماله وأمره معه مشهور، ومثله مع الوزير المهلبي وكتب إلى الصابي وكان قد راسل أبا الطيب في أن يمدحه ووسط بينه وبينه رجلاً من وجوه التجـار فقال أبو الطيب للوسيط: قل لأبي إسحق والله ما رأيت بالعراق مَن يستحق المدح غيركَ ولا أوجب عَلَى أحد في هذه البلاد ما أوجبته. وإن أنا مدحتك تنكر عليك الوزير وتغيَّر عليك لأني لم أمدحه فإن كنت لا تبالي هذه الحال فإني أجيبك إلى ما التمست وما أريد منك مالا ولا عن شعري عوضًا ولا حاجة إلى التدقيق في شخصية ممدوحي المتنبي لتدرك ما كانوا عليه من رفعة الشأن والسؤدد ولا ما تحلُّوا به من العلم الواسع والأدب الرفيع والثقافة العالية وما فطروا عليه من دماثة الخلق وكرم الطبع وكانت دالة المتنبي عليهم دالة الأنداد الذين تجمعهم جامعة الأدب ولئن تفاوتَ نسبه وأَنسابهم من حيث الضعة والارتفاع فإِن عبقريته رفعته إلى مستواهم وله مع كثير منهم مساجلات الأكفّاء وكان المتنبي يرجو أن ينال عَلَى أَيديهم، بعد أن أَخفقت نبوَّته، ما كانت تطمح إليه نفسه من المراكز العليا ويرى أَن الحجر الكريم لا يدرك قيمته إلا الجوهري الخبير والفضل لا يعرفه إلاّ ذووه ومَن كان أحقّ من سيف الدولة بالأوصاف الحسناء التي كان خيال المتنبي يجيش بها من شجاعة وإقدام وسيف الدولة كان أَغزى أهل زمانه حتى أنه كان قد جمع من نفض الغبار الذي كان يجتمع عليه في غزواته شيئًا وعمله لبنة بقدر الكف وأَوصى أَن يوضع خدُّه عليها في لحده وعدا الرُبط الروحية التي كانت تربط المتنبي به فإنه كان رفيقه في حروبه. وجاءَ في كتاب العمدة لاِبن رشيق أنه كان لا يريد أن يصف الوقائع التي لم يشهدها مع سيف الدولة ومَن أجدر منه في ذلك العصر ومن عضد الدولة وابن العميد بخيال المتنبي الفيَّاض الوثاب وحلل بيانه الرائع الفتَّان. وأن حبس ذلك عنهم فعلى مَن يغدقه؟ ما الشاعر إلا دمية لا بدَّ أن تصبّ فتنال منها الرياض الغناء ما تنال مثله الأرض الموات ما الشاعر إلا الزهرة العطرة تبعث أريجها في الفضاء إلى كل ناحية سيرًا مع الريح فتهرب منها الجعلان وتهفو إليها الفراش والنحل ما الشاعر إلا البلبل الغرّيد يطلق أَلحانه ويرددها مترنمًا ليسمعها هو وليسمعها أبنـاء نوعه ولا يهمه طربت لها جنادب الليل وبومه أم لا الشاعر شاعرٌ سواء أَكان شعره في الأسود الخصيّ أو في الأمير الشجاع، فانظر إلى ما قاله لا إلى في مَن قال، فالعقد الفريد لا يعيبه أن تتقلَّده زنجية ولا يزيد رونق لآلئه أن تزين به نحرها كاعب حسناء سَل المؤرخ أن يورد لك الحقائق التاريخية مجرَّدة من أصباغ الأهواء والكذب، وسل الشاعر أن يكشف لك كنوز خياله ويحملك عَلَى أجنحة التصوُّر إلى جنان الخلود حيث الجمال غير الموصوف ولا المحدود وهل يعيب هذا الشعر أن يكون قد قيل في معرض مدح زنجي: أبى خلقُ الدنيا حبيبًا تديمه فما طلبي منها حبيبًا تردُّه وأسرع مفعول فعلتَ تغيُّرًا تكلُّف شيء في طباعك ضده وأتعب خلق الله من زاد همُّه وقصَّر عما تشتهي النفس وجده فلا مجد في الدنيا لمن قلَّ ماله ولا مال في الدنيا لمن قل مجده وصف غير الثقـاة من الرواة أن كافورًا الإخشيدي كان عبدًا أسود خصيًا مثقوب الشفة السفلى عظيم البطن مشقَّق القدمين ثقيل البدن، وأن مولاه كان يربط في رأسه حبلاً إذا أراد النوم فإِذا أراد منه حاجة يجذبه بالحبل لأنه لم يكن ينتبه بالصياح، وأن غلمان ابن طغج كانوا يصفعونه في الأسواق كلما رأُوه فيضحك، فقالوا إن هذا العبد خفيف الروح ولا ريب في أن الكثيرين قرأُوا وسمعوا هذا الوصف وقابلوه بمـا قاله فيه المتنبي من الشعر السائغ فرأوا مسافة الخلف بعيدة بين الوصف والموصوف وأَيقنوا أن المتنبي إنما قبِل دعوة كافور ومدحه طمعًا برفده وعندي أن كافورًا لم يكن ذلك العبد الخصيّ فحسب بل كان ذا ذكاءٍ ودهاءٍ وحزم ولولا ذلك لما تمكن من القيام بأعباء الملك زهاء ثلاث وعشرين سنة. ورويَ أن محمد بن طغج ولاَّه قيادة جيشٍ حارب به سيف الدولة عندما استولى عَلَى دمشق في ولاية أبي قاسم وانتصر عَلَى سيف الدولة وخير شهادة هو ما قاله المتنبي بعد أن جفَّ الثرى بينه وبين كافور وتهكم عليه بلواذعه المشهورة. قال أبو الفداء المؤرخ الحموي، حكى المتنبي قال: كنت إذا دخلت عَلَى كافور أنشده يضحك لي ويبشُّ في وجهي إلى أن أنشدته: ولما صار ودُّ الناس خبًا _________________________ جزيتُ عَلَى ابتسامٍ بابتسام _________________________ وصرتُ أشكُّ فيمن أصطفيه _________________________ لعلمي أنه بعض الأنام _________________________ قال: فما ضحك بعدها في وجهي إلى أن تفرَّقنا. فعجبتُ من فطنته وذكائه ومن الغني عن البرهان والحالة هذه أن المتنبي لم يقصد كافورًا طمعًا في أن يبيع منه الشعر بالمال لأن هذا كان موفورًا لديه من خزائن سيف الدولة ولكن مراجل الأطماع كانت تزداد في صدره غليانًا وعلَّل نفسه بأَن ينيلها عَلَى يد الخصيّ ما لم تنـله عَلَى يد سيف الدولة وبالرغم عما كان قلب المتنبي مشربًا به من كره كافور لعداوة بينه وبين سيف الدولة رأى من الحكمة والسياسة أن يتوجَّه إليه ويقبل دعوته ويمدحه فسار إلى الكنانة تحدوه مطامعه الكبيرة ويملأ نفسه من المرارة واليأس ما يوازي تلك المطامع وأَرى أبلغ وصف له مطلع أُولى القصائد التي مدح بها كافورًا. وهو: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا _________________________ وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيـا _________________________ وقيل أنه كان ينوي تحريض كافور عَلَى سيف الدولة وحمله عَلَى محاربته فيوليه قيادة الجيش وتنفتح أمامه باب العلياء عَلَى مصراعيها فيلجها بأَدبه وثقافته وعبقريته وشجاعته ويحقق من المجد أحلامه الذهبية ولا بدع فقد كان فارسًا محنكًا وشجاعًا مغامرًا وكيف لا وهو القائل: ذرِ النفس تأخذ وسعها قبل بينها _________________________ فمفترق جاران دارهما العمرُ _________________________ ولا تحسبنَّ المجد زقـًا وقينةً _________________________ فما المجد إلا السيف والفتكة البكر _________________________ وتضريب أعناق الملوك وأن ترى _________________________ لك الهبوات السود والعسكر المجر _________________________ وتركك في الدنيا دويًا كأنما _________________________ تداول سمعَ المرء أنمـله العشر _________________________ وقد ظهر ذلك التحريض جليًا واضحًا في قوله: وغير كثير أن يزورك راجل _________________________ فيرجع ملكًا للعراقين واليا _________________________ وفي قوله: إذا كنت في شكّ من السيف فابلهُ _________________________ فإما تنفّيه وإمـا تعـده _________________________ إذا لم يفارقه النجاد وغمده _________________________ وما الصارم الهنديّ إلاَّ كغيره _________________________ ولكن كل هذه الأقوال لم تكن إِلا أكفانًا لبقية أماني المتنبي التي كان يئدها واحدة واحدة ويرثيها بروائع شعره ودرر فلسفته وحكَمه وآماله العذاب التي غابت كنجوم الليل وقد أدركها نور الفجر. وما أَليق هذه الأبيات لتلك الآمال: لحى الله ذي الدنيا مناخًا لراكب _________________________ فكل بعيد الهمّ فيها معذَّب _________________________ ألا ليت شعري هل أقول قصيدة _________________________ فلا اشتكي فيها ولا أتعتب _________________________ وبي ما يذود الشعر عني أقله _________________________ ولكنّ قلبي يا ابنة القوم قُلّب _________________________ أبي المسك هل في الكأس فضل أناله _________________________ ................... _________________________ ومثل هذه: لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي _________________________ شيئًا تتيّمه عين ولا جيدُ _________________________ يا ساقييَّ أخمرٌ في كؤوسكما _________________________ أم في كؤوسكما همٌ وتسهيد _________________________ أصخرة أنا مالي لا تحركني _________________________ هذي المدام ولا هذي الأغاريد _________________________ ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه _________________________ إني بما أنا شاكٍ منه محسود _________________________ إلى أن يقول: وذاك أن الفحول البيض عاجزة _________________________ عن الجميل فكيف الخصية السود _________________________ وهكذا خلُد فتى العربية الأوحد بثقافتـه وأدبه وبيانه وخياله لا بالمهندات والقنى وأقحاف الجماجم وخلّد معه كل من علق بردائه الذي ينتشر منه صنان كافور وضبة وفاتك بن أبي جهل كما يتضوع منه عرف سيف الدولة وعبير عضد الدولة وابن العميد وغيرهم 00000000000000000000000000000000000000000000000000 000 ((غَزَلُ المتنبّي)) ((للكاتب/أنطون سليم سعد)) في الأقطار العربية نهضة مباركة تغمر قلوب المتأدبين بشعاع الاعتزاز، وهي تخليد ذكرى نوابغنا والتغني بمآثرهم، وليس أدل عليها من الاحتفالات التي أقيمت تذكارًا لانقضاء ألف عام على موت المتنبي. وما المتنبي سوى ذلك الشاعر العربي الفذ الذي استهوى النفوس وسحر العقول بسمو خياله، وجزالة ألفاظه، وروعة بيانه. إن المتنبي ذلك الغلام المطل من بين أطمار الفاقة والناشز في بادية "سماوة" لهو مفخرة العرب ومجدهم الخالد إذا ما فخرت أمم الأرض بنوابغها وفحول شعرائها، ففي كل بيت من قصائده الحكم المثلى المرتدية برود الفصاحة، والشافّة عن أرقّ المعاني وأجمل صور الخيال ما يقصر عنها الكثيرون من أكابر الشعراء الذين قبضوا على صولجان الشاعرية في العالم. في كنوز أدب المتنبي نفائس لو عرضت في متاحف الأدب الغربي لكانت مدعاة لإجلال الأدب العربي وإحلاله المنزلة العليا، ولكن الأدب تبع للسيف وما ضعفت أمة وضيمت في عصبيتها إلا ضعف أدبها وانخفض شأنه. لم يتناول الناقدون شاعرًا من شعراء العربية المبرزين تناولهم المتنبي، إلا أنهم صدفوا لأمر لا نعلمه عن درس ميوله وتحليل منازعه وما أحاط بتلك الشخصية الكبيرة من مفاعيل الحياة. على أنهم لو فعلوا لدخلوا منه في شعاب منبسطة الرحاب بعيدة المرامي ولأشرفوا على قمم من نفسه تكاد تناطح الجوزاء، وليس الذنب ذنبهم ولكنه ذنب الثقافة التي لم تنل منها العربية قسطها لا سيما وأن الذين تصدوا للمتنبي كانوا في عصر سادت فيه الصناعة اللفظية، وما يعرف اليوم بالعلم النفساني لم يكن له ثمت من أثر، لذلك نرى معظمهم كالقاضي أبي الحسن الجرجاني، و أبي الفتح عثمان بن جني، و أبي العلاء المعري، و أبي علي بن فوزجة البروجردي، من أكابر الأئمة والعلماء لم يجاوزوا في نقدهم مبنية واستعاراته ومصادر الاستقاء منها. وإذا علمنا أن الحقد والحسد رانا على تلك الأقلام فلم تعن بغير الخفض من شأن الرجل والتنقص من كرامته بدا لنا وجه التقصير في درس شاعرية المتنبي وفنه، ولعله هو الذي أثار بتعاظمه وكبريائه حسد الحاسدين ونقمة الناقمين وقفل بيده باب التاريخ لمن أتى في هذا العصر يتخبط من حقيقته في ليلٍ دامس. يجمع المتنبي في شعره المدح والرثاء والفخر والهجاء والحماسة والحكمة والوصف والغزل، وقد أفاض في كل هذه الأبواب إلا الغزل فقد كان نصيبه يسيرًا من شعره، وإذا وقعت على ما يشوقك من رائع غزله وخالب تشبيبه فذلك إنه عادة الشعراء في ذلك العصر، ولعل إقلال المتنبي من الغزل وأعراضه عنه له صلة بخلقه، فقد كان مأثورًا عنه الزهد بالنساء والتحرُّم في الخمر، وفي الأبيات التالية دليل بيّن على ذلك. قال: وغير فؤادي للغواني رمية _________________________ وغير بناني للزجاج ركاب _________________________ تركنا لأطراف القنا كل شهرة _________________________ فليس لنا إلا بهنَّ لعاب _________________________ أعزُّ مكان في الدنى سرج سابح _________________________ وخير جليس في الزمان كتاب _________________________ وفي أبيات سواها قال: تروق بني الدنيا عجائبها ولي _________________________ فؤاد ببيض الهند لا ببيضها مغرى _________________________ ولكن غزل المتنبي على قلته قد ازدان بدقة المعنى ولطف المبنى وجمال التصور ورقة الحس، وامتاز ببعده عن مواطن التبذل فبدا كالروضة الناضرة لا تأنف أية خريدة من أن تستأنس بشدو طيرها، وتستروح بأنفاس زهرها وريحانها. لم يتكلف المتنبي الغزل بل جاءه عفوًا وفاضت به نفسه فيضانًا. قال وهو فتى: أبلى الهوى أسفًا يوم النوى بدني _________________________ وفرق الهجر بين الجفن والوسن _________________________ روح تردد في مثل الخلال إذا _________________________ أطارت الريح عنه الثوب لم يبن _________________________ كفى بجسمي نحولاً أنني رجل _________________________ لولا مخاطبتي إياك لم ترني _________________________ ففي هذه الأبيات إغراقٌ في الخيال وإبداع في وصف النحول لم يسبقه إليه الشعراء الجاهليون والمخضرمون وعجز المولدون عن اللحاق به، وما صيغ على منواله إنما كان قبسًا من نوره، ووشلة من بحره. قال ابن الفارض: قل تركت الصب فيكم شبحًا _________________________ ما له مما براه الشوق في _________________________ خافيًا عن عائد لاح كما _________________________ لاح في برديه بعد النشر طي _________________________ وقال صفي الدين الحلي: أنحلتني بالصدود منكِ فلو _________________________ ترصدتني المنون لم ترَني _________________________ وللمتنبي قوة روحية في غزله تفتن القلب والوجدان وتسيطر على النفس حتى لا ترى سوى ألوان ميوله ونزعاته. وهذا لظى حبه يلهبك في أبياته التي يعاتب فيها مستعطفًا: كفي أراني ويك لومك ألوما _________________________ همٌّ أقام على فؤاد أنجما _________________________ وخيال جسم لم يخل له الهوى _________________________ لحمًا فينحله السقام ولا دما _________________________ وخفوقُ قلبٍ لو رأيت لهيبه _________________________ يا جنتى لظننت فيه جهنما _________________________ وإذا سحابة صد حب أبرقت _________________________ تركت حلاوة كل حب علقما _________________________ أكثر المتنبي من التشابيه في شعره فكانت حسنة المطابقة ورائعة المعنى، فقال وقد ترشف ريق الحبيب فخاله خمرًا، وضم قده فظنه غصنًا، وقبل ثغره فتوهمه برقًا: أريقك أم ماء الغمامة أم خمرُ _________________________ بفيَّ برود وهو في كبدي جمرُ _________________________ أذا الغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنةٌ _________________________ وذيَّا الذي قبلته البرق أم ثغرُ _________________________ ومن بدائع تشابيهه ورقيق تشبيبه الذي يختلس عواطفك اختلاس النسيم عبق الأزهار، ويستلبك استلاب الشمس رضاب طل الأسحار، قوله: رأت وجه من أهوى بليل عواذلي _________________________ فقلن نرى شمسًا وما طلع الفجر _________________________ رأين التي للسحر في لحظاتها _________________________ سيوف ظباها من دمي أبدًا حمر _________________________ تناهى سكون الحسن في حركاتها _________________________ فليس لراءي وجهها لم يمت عذر _________________________ إذا عز اللقاء على العشاق قضوا لياليهم سهدًا يراقبون الكواكب ويستودعون أحشاء الدجى تنهداتهم وزفراتهم. قال المتنبي: ليالي بعد الظاعنين شكول _________________________ طوال وليل العاشقين طويل _________________________ يبنَّ لي البدر الذي لا أُريده _________________________ ويخفين بدرًا ما إليه سبيل _________________________ وما عشت من بعد الأحبة سلوةً _________________________ ولكنني للنائبات حمول _________________________ إن الحسن منحة سماوية ومدعاة للإعجاب، وما كان يشوق المتنبي من صوره وألوانه يشوق كل إنسان في كل عصر، فمن منا لا يفتنه بياض الطلى وورد الخدود وحور العيون. قال المتنبي في مطلع قصيدة تجمع قوافيها إلى دقة المعنى ونضارة الفن صفاء الديباجة وروعة الإيقاع: كم قتيل كما قتلت شهيد _________________________ لبياض الطلى وورد الخدود _________________________ وعيون المهى ولا كعيون _________________________ فتكت بالمتيَّم المعمود _________________________ ويتلو هذين البيتين حنين وشوق إلى أيام الصبا وتذكارات مذيبة لمواقع غرام انقدت نيرانها بينه وبين حسان مشرقات الوجوه، فاتكات اللواحظ، ناحلات الخصور، حالكات الشعور، ضمخت بالعنبر وماء الورد، وعبقت نوافح المسك بغدائدها. قال: درَّ درُّ الصباء أيام تجريـ _________________________ ـر ذيولي بدار أثلة عودي _________________________ عمرك الله هل رأيت بدورًا _________________________ طلعت في براقع وعقود _________________________ راميات بأسهم ريشها الهد- _________________________ ب تشقُّ القلوب قبل الجلود _________________________ يترشفن من فمي رشفات _________________________ هنَّ فيه حلاوة التوحيد _________________________ كل خمصانة أرقَّ من الخمر _________________________ بقلبٍ أقسى من الجلمود _________________________ ذات فرعٍ كأنما ضرب العنبر _________________________ فيه بماءٍ ووردٍ وعود _________________________ حالك كالغداف جثلٍ دجوجي _________________________ وأثيث جعدٍ بلا تجعيد _________________________ تحمل المسك عن غدائرها الريح _________________________ وتفترُّ عن شنيبٍ برود _________________________ وللمتنبي أبيات في فراق الأحبة لم يدانه برقتها ورشاقة معناها كثيرون من أمراء الشعر، فإنك تحس وأنت تطالعها بنار الشوق تحرق أحشاءه، ودمع الأسى يقرح أجفانه. قال: حشاشة نفس ودَّعت يوم ودعوا _________________________ فلم أدرِ أي الظاعنين أُشيّع _________________________ أشاروا بتسليم فجدنا بأنفسٍ _________________________ تسيل من الآماق والسم أدمع _________________________ حشاي على جمر ذكي من الهوى _________________________ وعيناي في روض من الحسن ترتع _________________________ ولو حملت صم الجبال الذي بنا _________________________ غداة افترقنا أوشكت تتصدَّع _________________________ مهما تكتم المحبون في حبهم فالدمع يفضحهم عند الوداع. وقد أجاد المتنبي في وصف ذلك إجادة بينة، قال: حاشى الرقيب فخانته ضمائرهُ _________________________ وغيض الدمع فانهلت بوادرهُ _________________________ وكاتم الحب يوم البين منهتكٌ _________________________ وصاحب الدمع لا تخفى سرائرهُ _________________________ نعيم المحبين في القبلة، وألذ قبلة في عرف العشاق هي المختلسة. قال المتنبي: قبَّلتها ودموعي مزج أدمعها _________________________ وقبَّلتني على خوفٍ فمًا لفم _________________________ قد ذقت ماء حياةٍ من مقبلها _________________________ لو صاب تربًا لأحيا سالف الأمم _________________________ وعرَّف المتنبي الحب وما فيه مرارة نفس وأوصاب قلب وعذاب لب بأبيات تلمس الرقة تنساب في مقاطيعها كالجدول الرقراق، قال: عزيز اسًا من داؤه الحدق النجل _________________________ عياء به مات المحبُّون من قبلُ _________________________ فمن شاء فلينظر إليَّ فمنظري _________________________ نذير إلى من ظنَّ أن الهوى سهل _________________________ وما هي إلا لحظةٌ بعد لحظة _________________________ إذا نزلت في قلبه رحل العقل _________________________ جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي _________________________ فأصبح لي عن كل شغل لها شغل _________________________ سبتني بدل ذات حسن يزينها _________________________ تكحل عينيها وليس لها كحل _________________________ كأن لحاظ العين في فتكه بنا _________________________ رقيب تعدى أو عدو له دخل ووصف المتنبي عادات إحدى قبائل العرب اشتهرت بالحسن الفتَّان، فجاء ما يسحر به السحر، ويطيب به الزهر. قال: لولا ظباء عدي ما شغفت بهم _________________________ ولا بربربهم لولا جآذرهُ _________________________ من كل أحور في أنيابه شنب _________________________ خمر يخامرها مسكٌ تخامرهُ _________________________ نعجٌ محاجره دعجٌ نواظره _________________________ حمرٌ غفائره سودٌ غدائرهُ _________________________ ومن أروع ما قيل في وصف الجمال والحسن المتناهي، قوله: وفتَّانة العينين قتَّالة الهوى _________________________ إذا نفحت شيخًا روائحها شبا _________________________ لها بشر الدرّ الذي قلدت به _________________________ ولم أر بدرًا قبلها قلد الشهبا _________________________ ويكثر الشعراء في غزلهم من ذكر الضم والعناق والوصال. وأما المتنبي فكان يتباهى بتعففه وحيائه. قال: وأغرى الصبابة بالعاشقين _________________________ وأقتلها للمحب العميد _________________________ وألهج نفسي لغير الخنا _________________________ بحب ذوات اللمى والنهود _________________________ وعندما يقف المحبون على أطلال الأحبة تبعث بين جوانحهم ميت وجدهم وتثير دفين أحساسهم فيذرفون دموع الشوق والحنين ويكون أسىً وشجى. قال المتنبي: دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا _________________________ لأهله وشفى أني ولا كربا _________________________ عجنا فأذهب ما أبقى الفراق لنا _________________________ من العقول وما رد الذي ذهبا _________________________ سقيتهُ عبراتٍ ظنها مطرًا _________________________ سوائلاً من جفون ظنها سُحبا _________________________ دار الملم لها طيف تهددني _________________________ ليلاً فما صدقت عيني ولا كذبا _________________________ أنأيتهُ فدنا أدنيته فنأى _________________________ جمشته فنبا قبَّلته فأبى _________________________ وتطرق في القصيدة ذاتها إلى وصف محبوبته والإشادة بتعففها وصيانتها. قال: مظلومة القد في تشبيهه غصنًا _________________________ مظلومة الريق في تشبيهه ضربا _________________________ بيضاء تطمع في ما تحت حلتها _________________________ وعزَّ ذلك مطلوبًا إذا طلبا _________________________ كأنها الشمس يعيي كف قابضه _________________________ شعاعها ويراه الطرف مقتربا _________________________ ومن ساحر غزل المتنبي البيتان التاليان، فمن بين تضاعيف حواشيهما تنتشر نوافح المسك ويسطع وهيج الشمس. قال: أمن ازدياركِ في الدجى الرقباء _________________________ إذ حيث كنت من الظلام ضياءُ _________________________ قلق المليحة وهي مسكٌ هتكها _________________________ ومسيرها في الليل وهي ذكاءُ _________________________ ويثملك المتنبي في غزله بوصف خود يرفلن بمطارق الخز والديباج وذوات بهاء كالشموس وغنج ودلال ينهبن العقول والقلوب بنضر وجناتهن وبضاضة أجسادهن. قال: بأبي الشموس الجانحات غواربا _________________________ اللابسات من الحرير جلاببا _________________________ المنهبات عقولنا وقلوبنا _________________________ وجناتهنَّ الناهبات الناهبا _________________________ الناعمات القاتلات المحييات _________________________ المبديات من الدلال غرائبا وقد أبدع المتنبي في وصف ذله وخضوعه في الحب وما يكابد من الشوق والصبابة ويهيمن على نفسه من اليأس والأمل والأسى والطرب في حالات رضى الحبيب وإعراضه وقربه وبعده. قال: لعينيكِ ما يلقى الفؤاد وما لقي _________________________ وللحب ما لم يبقِ مني وما بقي _________________________ وما كنتُ ممن يدخل العشق قلبه _________________________ ولكن من يبصر جفونك يعشقِ _________________________ وبين الرضى والسخط والقرب والنوى _________________________ مجالٌ لدمع المقلة المترقرقِ _________________________ وأحلى الهوى ما شكَّ في الوصل ربه _________________________ وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقى _________________________ وغضبي من الإدلال سكري من الصبى _________________________ شفعت إليها من شبابي بريق _________________________ وأشنب معسول الثنيات واضح _________________________ سترت فمي عنه فقبَّل مفرقي _________________________ ومن وثبات خيال المتنبي القصيدة التالية، فهي من أروع ما نظمه الشعراء الأفذاذ في الغزل، ففي كل مقطع من مقاطعها معنى يسكن إليه القلب وتخلد إليه النفس، وإنا لنجدها تحفل في لوعة المضني، وطيف الخيال، وفناء الحب، وسيف المقلة، وحمرة الخد. قال: أوهِ بديل من قولتي واها _________________________ لمن نأت والبديل ذكراها _________________________ أوه لمن أرى محاسنها _________________________ واصل واهًا وأوه مرآها _________________________ شاميةٌ طالما خلوتُ بها _________________________ تبصر في ناظري محياها _________________________ فقبَّلت ناظري تغالطني _________________________ وإنما قبلت به فاها _________________________ فليتها لا تزال آوية _________________________ وليته لا يزال مأواها _________________________ ومنها: تبلُّ خدي كلما ابتسمت _________________________ من مطرٍ برقه ثناياها _________________________ ما نفضت في يدي غدائرها _________________________ جعلته في المدام أفواها _________________________ ومنها: كل مهاة كأن مقلتها _________________________ تقول إياكم وإياها _________________________ فيهن من تقطر السيوف دمًا _________________________ إذا لسان المحب سَّماها _________________________ ومنها: حيث التقى خدها وتفاح لبـ _________________________ ـنان وثغري على محياها _________________________ هذه بعض أبيات المتنبي في الغزل، وقد استخرجتها من قصائده في المدح وسواه للدلالة على مبتكراته وبديع تخيلاته، لو أنه انصرف إلى الغزل لأتى بمعجزات باهرات ورائعات محاسن بز بها أمراء الشعر الغزلي كالبهاء زهير وصفي الدين ومجنون ليلى وابن زريق وابن نباتة وغيرهم كما بز شعراء العربية قاطبة بمتانة سبكه وقوة نحته في أرق الصور وأشف المراءي وأدق المشاهد، ولكن المتنبي كان يرى أن في الشعر العربي فراغًا حاول أن يملأه، فبرزت قصائده بحلة تزري بحلل العرائس تزينها آيات بينات ومبتكرات معان خالدات. كان الشعر عند شعراء العرب الأسبقين الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، ومن نسج على غير هذا المنوال عدوه خارجًا على أساليب العرب، ولكن لما حدث الانقلاب الكبير بانتقال الخلافة الإسلامية من الأمويين إلى العباسيين ترجمت كتب العلم والحكمة إلى لسان العرب فبدا لها تأثير في توسيع أفكار الشعراء المسلمين وظهر منهم طبقة جديدة على رأسها المتنبي، فجاء شعره مشتملا على آراء فلسفية وسياسية ومباحث عقلية وعلمية، غير أنه خرج عن أساليب القديم ووضع من عنده أساليب مخصوصة، ولذا قام عليه المتعصبون وسلقوه بألسنة حداد وشددوا عليه النكير، ولو عادت الحياة إلى هؤلاء وأطلوا من ظلمات لحودهم لأدركوا أن المتنبي خاتمة محاسن الشعراء وأن معانيه كالخمرة المعتقة كلما طال عليها الزمان طاب طعمها. ولكــــــــــم خالص التقدير والاحترام
تدري وش أكبر خطا؟ يحسب على أمك وأبوك = لو كان قلبي كلاه البعد..وأبكي عليك فرقاك هانت عليهم بعد مازوجوك = الله يسامح غلاك ويغفر لوالديك |
|
|
#2 |
|
(*( عضو )*)
![]() |
ابن قويعان
هنا كتاب كامل ... ملؤه الدر رحم الله ابا الطيب .. وغفر له .. مالئ الدنيا وشاغل الناس .. هو كذلك ..... |
الف مبروك للجميع صدور ديوان سداح الصوتي والذي يعد اضافة مهمة لتقدم الشعر الشعبي المعاصر
اسعدني ماحواه الرابط: http://montada.mergab.com/showthread.php?p=990528 dahemutaibi@hotmail.com
|
|
|
#3 |
|
(*( عضو )*)
![]() |
الغالي
سعود بن قويعان جهد مشكور .. يكفي منه أن أبا الطيّب هو عنوانه ومضمونه ولو حضر المتنبي لجمهور شاطىء الراحة لقذفه الجمهور بعلب الماء والعصير !!! وعزاؤنا أن من قيّمه هم من عباقرة اللغة والأدب العرب والمستشرقين .. لا جمهور شاطىء الراحه ![]() ![]() شكرا لك .. |
Email fmq861@yahoo.com twitter falihalhajri
|
|
|
#4 |
|
مشرف عام
![]() |
الله الله الله
جهد تشكر عليه ياسعود وموضوع راقي في شاعر علم لاهنت ولك كل الود |
.
|
![]() |
| العلامات المرجعية |
| يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
|
|
![]() |
![]() |